مات التصبر في انتظارك أيها المحيي الشريعهْ ** فانهض فما أبقى التحمل غير أحشاء جزوعه ** قد مزقت ثوب الأسى وشكت لواصلها القطيعة ** فالسيفُ إن به شفاءَ قلوب شيعتِك الوجيعه ** فسواهُ منهم ليس يُنعش هذه النفسَ الصريعه ** طالت حبـال عواتق فمتى تكون به قطيعه ** كم ذا القعود ودينكم هدمت قواعده الرفيعة ** تنعى الفروعُ أصولَه وأصولُه تنعى فروعَه    سجل الزوار   اتصل بنا      
موسوعة أنصار الحسين (ع)

 
الرئيسية موسوعة الأنبياء والرسل (ع) في أحوال محمد (ص)

في أحوال محمد (ص)
+ تكبير الخط - تصغير الخط

إرسال في أحوال محمد (ص) إلى صديقك

طباعة نسخة من في أحوال محمد (ص)

393 ـ روي أنّه صلّى الله عليه وآله ولد في السّابع عشر من شهر ربيع الاوّل عام الفيل يوم الإثنين ، وقيل : يوم الجمعة ، وقال صلّى الله عليه و آله : ولدت في زمن الملك العادل يعني أنو شيروان بن قباد قاتل مزدك والزّنادقة ، وهو محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم (1) .
394 ـ وروي عنه صلّى الله عليه وآله : إذا بلغ نسبي إلى عدنان فامسكوا ، ثمّ قرأ : ﴿  وعاداً وثمودَ واصحاب والرّسّ وقروناً بين ذلك كثيراً   (2) لايعلمهم إلاّ الله تعالى جلّ ذكره .
وإنّ أباه توفّي وأمّه حبلى ، وقدمت أمّه آمنة بنت وهب على أخواله من بني عديّ من النّجار بالمدينة ، ثمّ رجعت به حتّى إذا كانت بالأبوآء ماتت ، وأرضعته صلّى الله عليه وآله حتّى شبّ : حليمة بنت عبد الله السعديّة ، وتزوّج بخديجة وهو ابن خمس وعشرين سنة ،
____________
(1) بحار الانوار ( 15 | 254 ) ، برقم : (6) وص (104) ، برقم : (49) عن مناقب ابن شهر آشوب . وص (107) ، برقم : (50) عن كتاب العدد القويّة للشيخ علي بن يوسف بن المطهّر أخي العلاّمة الحلّي رحمه الله .
اقول : قوله « الملك العادل » لم يقصد صلّى الله عليه و آله به مفهومه العرفي الاسلامي الذي صدع به في لغة مكتبه ، وإنّما أراد بهما عرف من مسلك بن قباد حيث أباد الزّنادقة الّتي منهم مزدك فمفهوم العادل هنا اضافي وانتسابي الى مصطلح الملوك الساسانين الكياسرة الذين أجروا اصلاحات داخليّة من قبيل مسح الاراضي وإصلاح نظام الضّرائب ونحوها . فما صدر عن بعض الاعلام والأعيان من الشّجب والشّحن على تلك الجملة بمعناها الشرّعي صحيح وفي مورده .
(2) سورة الفرقان : (38) .


وتوفّي عنه أبو طالب وله ستّ واربعون سنّة وثمانية وعشرون يوماً .
والصحيح أنّ أبا طالب رضي الله عنه توفّي عنه في آخر السّنة العاشرة من مبعث رسول الله صلّى الله عليه وآله ، ثمّ توفّيت خديجة بعد أبي طالب بثلاثة أيّام ، فسمّي رسول الله صلّى الله عليه وآله ذلك العام عام الحزن ، فقال : ما زالت قريش قاعدة عنّي حتّى مات أبوطالب .
وأقام بعد البعثة بمكّة ثلاث عشرة سنة ، ثمّ هاجر منها إلى المدينة بعد أن استتر في الغار ثلاثة أيّام ، ودخل المدينة يوم الإثنين الحادي عشر من شهر ربيع الاول ، وبقي بها عشر سنين ، ثمّ قبض (ص) يوم الإثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة (1) .

395 ـ ذكر عليّ بن إبراهيم بن هاشم ، وهو من أجلّ رواة أصحابنا : أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وآله لمّا أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأنّ آتيا أتاه فيقول : يا رسول الله ـ وكان بين الجبال يرعي غنماً ـ فنظر إلى شخص يقول له : يا رسول الله ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا جبرئيل أرسلني الله إليك ليتخذك رسولاً ، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يكتم ذلك .
____________
(1) بحار الانوار ( 15 | 105 ) ، إلى قوله تعالى : كثيراً ، مقدّماً ومؤخراً بعين ما في مناقب ابن شهر آشوب ( 1 | 151 ـ 152 ) وليس فيه : لايعلمهم إلاّ الله تعالى جلّ ذكره ، نعم يفهم من طيّ الكلام ومفاده .
ومن قوله : وأنّ أباه توفّي إلى قوله : السّعديّة ، أورده في نفس الجزء ص (111) برقم : (56) عن القصص . وعند هذا المقدار أيضاً في مرآة العقول ( 5 | 178 ) .
ومن قوله : وتزوّج إلى قوله : وعشرين سنة . ومن قوله : وتوفّيت خديجة ، إلى قوله : بثلاثة أيّام ، مذكورٌ في البحار ( 16 | 3 ) ، برقم : (7) عن القصص أيضاً .
ومن قوله : وتوفّي عنه أبو طالب ، إلى قوله : عام الحزن ، مذكور في البحار ( 35 | 82 ) ، برقم : (24) عنه أيضاً .
وقوله : إنّ أبا طالب رضي الله عنه ، إلى قوله : عام الحزن كرّر في ( 19 | 25 ) عن نفس المصدر ، برقم (14) . مع ما بعده إلى قوله : حتّى مات أبو طالب ، كما أنّ ما بعد هذا إلى قوله : عشر سنين ، جاء في نفس الجزء ص (69) ، برقم : (19) عن نفس المصدر وما بعده إلى قوله : من الهجرة ذكر في البحار ( 22 | 514 ) ، برقم : (16) عن المصدر نفسه .


فأنزل جبرئيل بماءٍ من السّماء ، فقال : يا محمّد ( صلّى الله عليه وآله ) قم فتوضّ ، فعلّمه جبرئيل الوضوء على الوجه واليدين من المرفق ومسح الرّأس والرّجلين إلى الكعبين ، وعلّمه الرّكوع والسّجود ، فدخل عليّ عليه السلام على رسول الله صلّى الله عليه و آله وهو يصلّي ـ هذا لمّا تمّ له صلّى الله عليه وآله أربعون سنة ـ فلمّا نظر إليه يصلّي قال : يا أبا القاسم ما هذا ؟ قال : هذه الصّلاة الّتي أمرني الله بها ، فدعاه إلى الاسلام ، فأسلم وصلّى معه ، وأسلمت خديجة ، فكان لا يصلّي إلاّ رسول الله وعليّ صلوات الله عليهما وخديجة خلفه .
فلما أتي كذلك أيّام دخل أبوطالب إلى منزل رسول الله صلّى الله عليه وآله ومعه جعفر ، فنظر إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وعليّ عليه السلام بجنبه يصلّيان فقال لجعفر : يا جعفر صلِّ جناح ابن عمّك ، فوقف جعفر بن أبي طالب من الجانب الآخر ، ثمّ خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى بعض أسواق العرب فرآى زيداً ، فاشتراه لخديجة ووجده غلاماً كيّساً ، فلمّا تزوّجها وهبته له ، فلمّا نبئ رسول الله صلّى الله عليه وآله أسلم زيد أيضاً ، فكان يصلّي خلف رسول الله صلّى الله عليه وآله عليّ وجعفر وزيد وخديجة (1) .

396 ـ قال عليّ بن إبراهيم : ولمّا أتى على رسول الله صلّى الله عليه وآله زمان عند ذلك أنزل الله عليه : ﴿  فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين  (2) فخرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وقام على الحجر وقال : يا معشر قريش يامعشر العرب ، أدعوكم إلى عبادة الله وخلع الانداد والأصنام ، وأدعوكم إلى شهادة إن لا إله الاّ الله وأنّي رسول الله ، فأجيبوني تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم وتكونون ملوكاً ، فاستهزوا منه وضحكوا وقالوا : جُنّ محمّد بن عبد الله وآذوه بألسنتهم .
وكان من يسمع من خبره ما سمع من أهل الكتب يُسلمون ، فلمّا رأت قريش من يدخل في الاسلام جزعوا من ذلك ، ومشوا إلى أبي طالب وقالوا : كفّ عنّا ابن أخيك ، فانّه
____________
(1) بحار الانوار ( 18 | 184 ) ، برقم : (14) .
(2) سورة الحجر 15 : (44) .


قد سفّه أحلامنا وسبّ آلهتنا وأفسد شبابنا وفرّق جماعتنا ، وقالوا : يا محمّد إلى ما تدعو؟ قال : إلى شهادة أن لا اله الاّ الله وخلع الانداد كلّها ، قالوا : ندع ثلاث مائة وستين إلهاً ونعبد إلهاً واحداً وحكى الله تعالى قولهم : ﴿  وعجبوا أن جاءهم منذرٌ منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذّاب اجعل الآلهة إلهاً واحداً إنّ هذا لشيءٌ عجاب   إلى قوله : ﴿  بل لمّأ يذوقوا عجاب  (1) .
ثمّ قالوا لأبي طالب : إن كان ابن أخيك يحمله على هذا : العدم جمعنا له مالاً ، فيكون أكثر قريش مالاً ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله : مالي حاجة في المال ، فأجيبوني تكونوا ملوكاً في الدّنيا وملوكاً في الآخرة ، فترقوا ثمّ جاؤوا إلى أبي طالب ، فقالوا : أنت سيّد من ساداتنا وابن أخيك قد فرّق جماعتنا ، فهلمّ ندفع إليك أبهى فتى من قريش وأجملهم وأشرفهم : عمارة بن الوليد يكون لك ابناً وتدفع إلينا محمّداً لنقتله ، فقال أبو طالب : ما أنصفتموني تسألوني أن أدفع إليكم ابني لتقتلوه ، وتدفعون إليّ ابنكم لأربّيه لكم ، فلمّا آيسوا منه كفّوا (2) .

397 ـ وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله لا يكفّ عن عيب آلهة المشركين ، ويقرأ عليهم القرآن ، وكان الوليد بن المغيرة من حكّام العرب يتحاكمون إليه في الامور ، وكان له عبيد عشرة عند كلّ عبد ألف دينار يتّجر بها وملك القنطار وكان عمّ أبي جهل ، فقالوا له : يا عبد شمس ما هذا الّذي يقول محمّداً أسحر أم كهانة أم خطب؟ فقال : دعوني أسمع كلامه ، فدنا من رسول الله صلّى الله عليه وآله وهو جالس في الحجر ، فقال : يا محمّد أنشدني شعرك ، فقال : ما هو بشعر ولكنّه كلام الله الّذي بعث أنبياءه ورسله ، فقال : اتل ، فقرأ : بسم الله الرّحمن الرّحيم ، فلمّا سمع الرّحمن استهزأ منه ، وقال : تدعوا إلى رجل باليمامة بسم (3) الرّحمن ؟ قال : لا ولكنّي أدعوا إلى الله وهو الرّحمن الرّحيم .
____________
(1) سورة ص 38 : ( 4 ـ 8 ) .
(2) بحار الانوار ( 18 | 185 ) ، برقم : (15) .
(3) في ق 1 : يسمّى : الرّحمن .


ثمّ افتتح حم السّجدة ، فلمّا بلغ إلى قوله :﴿  فان أعرضوا فقول أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود  (1) وسمعه اقشعرّ جلده ، وقامت كلّ شعرة في بدنه ، وقام ومشي إلى بيته ، ولم يرجع إلى قريش ، فقالوا : صبا أبو بعد الشّمس إلى دين محمّد .
فاغتمّت قريش وغدا عليه أبوجهل ، فقال : فضحتنا ياعمّ ، قال : يا ابن أخي ما ذاك وإنّي على دين قومي ، ولكنّي سمعت كلاماً صعباً تقضعر منه الجلود، قال : أفشعر هو؟ قال : ما هو بشعر ، قال : فخطب؟ قال : لا إنّ الخطب كلام متصل ، وهذا كلام منثور لا يشبه بعضه بعضاً له طلاوة ، قال : فكهانة هو؟ قال : لا قال : فما هو؟ قال : دعني أفكر فيه ، فلمّا كان من الغد ، قالوا : ياعبد شمس ما تقول؟ قال : قولوا : هو سحر ، فانّه آخذٌ بقول النّاس ، فأنزل الله تعالى فيه :﴿  ذرني ومن خلقت وحيداً وجعلت له مالاً ممدوداً وبنين شهوداً   إلى قوله :﴿  تسعة عشر  (2) .
398 ـ وفي حديث حمّاد بن زيد ، عن أيّوب ، عن عكرمة قال : جاء الوليد بن المغيرة إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله فقال : افرأ عليّ ، فقال :﴿  إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلّكم تذكّرون   (3) فقال : أعد فأعاد ، والله إنّ له لحلاوة وطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمرٌ ، وإنّ أسفله لمغدق (4) ، وما هذا بقول بشر (5) .

399 ـ وكان قريش يُجدّون في أذى رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وكان أشدّ النّاس عليه عمّه أبو لهب ، وكان صلى الله عليه وآله ذات يوم جالساً في الحجر ، فبعثوا إلى سلا (6)
____________
(1) سورة فصلت : (13) .
(2) بحار الانوار ( 18 | 186 ) ، برقم : (16) . الآيات في سورة المدثر : ( 11 ـ 30 ) .
(3) سورة النحل : (90) .
(4) أي : خصب وعذب ومتسع ، وفي البحار : لمعذق .
(5) بحار الانوار ( 18 | 186 ـ 187 ) .
(6) السلا أي المشيمة جلدة فيها الولد في بطن أمّه .


الشّاة فألقوه على رسول الله صلّى الله عليه وآله فاغتم من ذلك ، فجاء إلى أبي طالب ، فقال : يا عمّ كيف حسبي فيكم؟ قال : وما ذاك يا ابن أخ؟ قال : إنّ قريشاً ألقوا عليّ السّلا فقال لحمزة : خذ السّيف ، وكانت قريش جالسة في المسجد ، فجاء أبوطالب ومعه السّيف ، وكانت قريش جالسة في المسجد ، فجاء أبو طالب ومعه السّيف وحمزة ومعه السّيف ، فقال : أمِرّ السّلا على سبالهم ، ثمّ التفت إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وقال : يا ابن أخ هذا حسبك منّا وفينا (1) .
400 ـ وفي صحيح البخاري ، عن عبد الله قال : بينما رسول الله صلّى الله عليه وآله ساجدٌ وحوله النّاس (2) من قريش ومعهم سلا بعيرٍ ، فقالوا : من يأخذ هذا فيقذفه (3) على ظهره ، فجاء عقبة بن ابي معيط ، فقذفه على ظهر النّبيّ صلّى الله عليه وآله وجاءت فاطمة عليها السلام ، فأخذته من ظهره ودعت على من صنع ذلك ، قال عبد الله : فما رأيت رسول الله دعا عليهم إلاّ يومئذ ، قال : اللّهم عليك الملأ من قريش ، قال عبد الله : ولقد رأيتهم قُتلوا يوم بدر واُلقوا في القليب (4) .
401 ـ وكان أبو جهل تعرّض لرسول الله صلّى الله عليه وآله وأذّاه بالكلام ، فقالت امرأة من بعض السّطوح لحمزة : يا أبا يعلى إنّ عمرو بن هشام تعرّض لمحمّد وأذّاه ، فغضب حمزة ومرّ نحو أبي جهل ، وأخذ قوسه فضرب بها رأسه ، ثمّ احتمله فجلد به الأرض ، واجتمع النّاس وكاد يقع فهم شرّ ، فقالوا : يا أبا يعلى صبوت إلى دين محمّد ؟ قال : نعم أشهد أن لا اله الاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله . ثمّ غدا إلى رسول الله فقال : يا ابن أخ أحق (5) ما تقول ؟ فقرأ عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله من القرآن ، فاستبصر حمزة فثبت على دين الإسلام ، وفرح رسول الله ، وسُرّ أبو طالب بإسلامه وقال :
فصبراً أبا يعلى على دين أحمد * وكن مضهراً للدّين وفّقت صابراً


____________
(1) بحار الانوار ( 18 | 187 ) ، برقم : (7) وص (209) ، برقم : (38) .
(2) في البحار : ناس .
(3) كذا في إعلام الورى ، وفي البحار : فيفرقه .
(4) صحيح البخاري ( 5 | 122 ) ، برقم : (193) ، والبحار ( 18 | 209 ـ 210 ) ، برقم : (38) عن إعلام الورى ص (47) .
(5) في ق 3 والبحار : أحقّاً .


وحطّ (1) من أتى بالدين من عند ربه * بصـدق وحـقٍ لا تـكن حمزُ كافرا
فقد سرّنـي إن قلـت أنّـك مؤمـن * فـكن لـرسول الله فـي الله ناصراً
ونـاد قـريشاً بـالّذي قـد أتيـته * جهاراً وقل : ما كان أحمد ساحراً (2)


402 ـ ولمّا اشتدّت قريش في أذى رسول الله صلّى الله عليه وآله وأذى أصحابه ، أمرهم أن يخرجوا إلى الحبشة ، وأمر جعفراً أن يخرج بهم ، فخرج جعفر ومعه سبعون رجلاً حتّى ركبوا البحر ، فلمّا بلغ قريشاً خروجهم بعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى النّجاشي أن يردّهم إليهم ، فوردوا على النّجاشي وحملوا إليه هدايا ، فقال عمرو : أيّها الملك إنّ قوماً منّا خالفونا في ديننا وفرّقوا جماعتنا ، فردّهم إلينا .
فبعث النّجاشي إلى جعفر وأحضره ، فقال : ياجعفر إنّ هؤلاء يسألونني أن أردّكم إليهم ، فقال : أيّها الملك سلهم أنحن عبيد لهم ؟ قال عمرو : لابل أحراز كرام ، قال : فسلهم ألهم علينا ديون يطالبوننا بها؟ قال : لا مالنا عليهم ديون ، قال : فلهم في أعناقنا دماء ؟ قال عمرو : ما لنا في أعناقنا دماء ولا نطالبهم بدخول قال : فما يريدون منّا ؟ قال عمرو : خالفونا في ديننا وفرّقوا جماعتنا ، فردّهم إلينا .
فقال جعفر : أيّها الملك خالفناهم لنبيّ بعثه الله فينا ، أمرنا بخلع الأنداد ، وترك الاستقسام بالأزلام ، وأمرنا بالعدل والأحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي فقال النّجاشي : بهذا بعث الله تعالى عيسى عليه السلام ، ثمّ قال : أتحفظ يا جعفر ممّا أنزل الله على نبيّك شيئاً ؟ قال : نعم ، قال : اقرأ ، فقرأ عليه سورة مريم ، فلمّا بلغ إلى قوله : ﴿ وهزّي إليك بجذع النّخلة تساقط عليك رطباً جنيّاً   (3) قال : هذا
____________
(1) في ق 3 : محمّد أتى بالدّين من عند ربّه ، وفي إعلام الورى : وخط من أتى بالدّين ، أي امش موضع قدمه . وعلى نسخة المهملة فالمعنى : احفظه وتعهّده . ومنه قولهم : حط حط أي تعهّد بصلة الرّحم وأحدق به من جوانبه .
(2) بحار الانوار ( 18 | 210 ـ 211 ) ، برقم : (38) وراجع إعلام الورى ص (48) .
(3) سورة مريم : 25 .


هو الحق ، فقال عمرو : أيّها الملك إنّ هذا ترك ديننا ، فردّه إلينا وإلى بلادنا ، فرفع النّجاشي يده فضرب بها وجهه ، ثمّ قال : لئن ذكرته بسوء لأقتلنّك ، فخرج عمرو والدّم يسفك على ثوبه .
قال : وكان عمارة حسن الوجه وعمرو كان أخرج أهله معه ، فلمّا كانوا في السّفينة شربوا الخمر ، قال عمارة لعمرو : قل لأهلك : تقبّلني ، فقال عمرو : أيجوز ؟ فلمّا تنشّى عمارة ألقى عمرواً في البحر (1) ، فتشبّث بصدر السّفينة فأخرجوه .
ثمّ إنّهم لمّا كانوا عند النّجاشي كانت وصيفة على رأسه تذبّ عنه وتنظر إلى عمارة وكان فتى جميلاً ، فلمّا رجع عمرو إلى منزله قال لعمارة : لو راسلت جارية الملك ففعل فأجبته ، قال عمرو : قال لها : تحمل إليك من طيب الملك شيئاً ، فحملت إليه فأخذه عمرو ، وكان الّذي فعله عمارة في قلبه حيث ألقاه في البحر ، فأدخل الطّيب على النّجاشي وقال : إنّ صحابي الّذي معي راسل حرمتك وخدعها وهذا طيبها ، فغضب النّجاشي وهمّ أن يقتل عمارة ثمّ قال : لا يجوز قتله لأنّهم دخلوا بلادي بأمان ، فأمر أن يفعلوا به شيئاً أشدّ من القتل ، فأخذوه ونفخوا في إحليله بالزّيبق فصار مع الوحش .
فرجع عمرو إلى قريش وأخبرهم بخبره ، وبقي جعفر بأرض الحبشة في أكرم كرامة فما زال بها حتّى بلغه أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد هان قريشاً وقد وقع بينهم صلح ، فقدم بجميع من معه ووافى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد فتح خيبر ، وقد ولد لجعفر من أسماء بنت عميس بالحبشة عبد الله بن جعفر (2) .
403 ـ وقال أبوطالب : يخصّ النّجاشي على نصرة النّبيّ وأتباعه وأشياعه :
تعلّم مليك الحبش أنّ محـمّــداً * نـبيٌّ كموسى والمسيح بن مريم
أتى بالهدى مثل الّذي أتيـا بـه * وكـلّ بحمـد الله يهدي ويعصم
وانّـكم تتـلونـه فـي كتابـكم * بصدق حـديث لاحديث المرجَّم
فلا تجعـلوا لله ندّاً وأسـلمـوا * فانّ طريق الحق ليس بمظلم (3)

404 ـ وفيما روي محمّد بن اسحاق أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله بعث عمرو بن
____________
(1) في البحار : فلمّا انتشى عمرو . . . فدفعه عمارة في البحر .
(2) بحار الانوار ( 18 | 414 ـ 416 ) ، برقم : (7) عن التّفسير للقمي اقتباساً وايجازاً .
(3) بحار الانوار ( 18 | 418 ) ، برقم : (4) عن اعلام الورى والقصص .


أميّة الضّميري إلى النّجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه ، وكتب معه كتاباً :
بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله إلى النّجاشي الأضحم (1) صاحب الحبشة سلام عليك ، أني أحمد إليك الله الملك القدّوس المؤمن المهيمن ، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطّيبة الحصينة ، فحملت بعيسى ، فخلقه من روحه ونفخه فيه ، وإنّي أدعوك إلى الله وحده لا شريك له ، والموالاء على طاعته ، وأنّ تتّبعني وتؤمن بي وبالّذي جاءني فإنّي رسول الله قد بعث إليكم ابن عمّي جعفر بن أبي طالب ، معه نفر من المسلمين ، فاذا جاؤوك فأقرهم ودع التّجبّر فإنّي أدعوك وجيرتك إلى الله تعالى ، وقد بلّغت ونصحت ، فاقبلوا نصيحتي والسّلام على من اتبع الهدى .
فكتب إليه النّجاشي : بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمّد رسول الله صلّى الله عليه وآله من النّجاشي الأضحم بن أبحر سلام عليك يا نبيّ الله من الله ورحمة الله وبركاته ، لا إله إلاّ هو الّذي هداني (2) إلى الاسلام ، وقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى ، فو ربّ السّماء والأرض أنّ عيسى ما يزيد على ما ذكرت ، وقد عرفنا ما بعث به إلينا ، وقد قرينا ابنعمّك وأصحابه ، وأشهد أنّك رسول الله صادقاً مصدّقاً ، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا ، وقد قرينا ابن عمّك ، وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين ، وقد بعثت إليك يارسول الله أريحا ابن الأضحم بن أبحر ، فانّي لا أملك إلاّ نفسي إن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله ، إنّي أشهد أنّ ماتقول حق .
ثمّ بعث إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله هدايا، وبعث إليه بمارية القبطيّة أمّ إبراهيم عليه السلام ، وبعث إليه بثياب وطيب كثير وفرس ، وبعث إليه بثلاثين رجلاً من القسيسين لينظروا إلى كلامه ومعقده ومشربه فوافوا المدينة ، ودعاهم رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى الأسلام ، فآمنوا ورجعوا إلى النّجاشي (3) .
____________
(1) في ق 2 وق 3 : الاضخم ، وفي البحار : الأصحم .
(2) في ق 1 وق 5 : هدانا .
(3) بحار الانوار ( 18 | 418 ـ 420 ) .

قصص الأنبياء ، تأليف قطب الدّين سعيد بن هبة الله الرّاونديّ ، نسخة شبكة رافد الإسلامية  

الانتقال السريع إلى بقية الأقسام 


جميع الحقوق محفوظة لشبكة أنصار الحسين (ع) © 2009