مات التصبر في انتظارك أيها المحيي الشريعهْ ** فانهض فما أبقى التحمل غير أحشاء جزوعه ** قد مزقت ثوب الأسى وشكت لواصلها القطيعة ** فالسيفُ إن به شفاءَ قلوب شيعتِك الوجيعه ** فسواهُ منهم ليس يُنعش هذه النفسَ الصريعه ** طالت حبـال عواتق فمتى تكون به قطيعه ** كم ذا القعود ودينكم هدمت قواعده الرفيعة ** تنعى الفروعُ أصولَه وأصولُه تنعى فروعَه    سجل الزوار   اتصل بنا      
موسوعة أنصار الحسين (ع)

 
الرئيسية موسوعة أهل البيت (ع) الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) كتب حول الإمام موسى بن جعفر (ع) مقروءة باب الحوائج الإمام موسى الكاظم عليه السلام واجبات المسلم المتعلم

واجبات المسلم المتعلم
+ تكبير الخط - تصغير الخط

إرسال واجبات المسلم المتعلم إلى صديقك

طباعة نسخة من واجبات المسلم المتعلم

فضل العلم والعلماء

1ـ روي عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) قال: (دخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل فقال: (ما هذا؟ فقيل: علامة. فقال: وما العلامة في رأيكم؟ قالوا له: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها، وأيام الجاهلية، والأشعار العربية.

فقال (صلّى الله عليه وآله): ذاك علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه؛ ثم قال النبي (صلّى الله عليه وآله): إنما العلم ثلاثة:

2ـ آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنّة قائمة، وما خلاهنّ فهو فضل) (45).

ـ روى المجلسي عن الراوندي بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: لا خير في العيش إلا لمستمع واع، أو عالم ناطق) (46).

ـ وبهذا الإسناد قال:

3ـ (قال رسول اله (صلّى الله عليه وآله): أربع يلزم من كل ذي حجى وعقل من أمتي، قيل: يا رسول الله ما هي؟ قال:

1ـ استماع العلم. 2ـ وحفظه. 3ـ ونشره عنده أهله. 4ـ والعمل به.

ـ والآن ماذا عن أنواع العلم عند الناس.

قال الأربلي: قال ابن حمدون في تذكرته: قال موسى بن جعفر (عليه السلام): (وجدت علم الناس في أربع:

أولها: أن تعرف ربك ومفادها وجوب معرفة الله تعالى التي هي اللطف.

وثانيها: أن تعرف ما صنع بك من النعم التي يتعيّن عليك لأجلها الشكر والعبادة.

وثالثها: أن تعرف ما أراد منك: فيما أوجبه عليك وندبك إلى فعله لتفعله على الحد الذي أراده منك فتستحق بذلك الثواب.

ورابعها: أن تعرف ما يخرجك من دينك، وهي أن تعرف الشيء الذي يخرجك عن طاعة الله فتتجنّبه) (47).

ـ وعن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): سائلوا العلماء، وخالطوا الحكماء، وجالسوا الفقراء).

فسؤال العلماء توضيح وتصحيح، ومخالطة الحكماء غذاء للعقل وتوسع في المعرفة، ومجالسة الفقراء مؤانسة لهم ومشاركة في الإنسانية.

1ـ ففي الحديث الأول يوضح (عليه السلام) العلم الذي لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه: فعلم الأنساب، وعلم وقائع العرب، والأشعار العربية، كل هذه ليس فيها ما يبعث على غذاء الفكر، أو يزيد في حياة المسلمين الحضارية، أو يخلق تقدّماً وتطوّراً يساعدهم على النهوض في ركاب الحضارة الإنسانية. فهذه المعارف قلّل النبي (صلّى الله عليه وآله) من أهميتها ودعا إلى الاهتمام بسائر العلوم الأخرى لأنها لا تضر من جهلها ولا تنفع من علمها.

2ـ ثم بيّن (عليه السلام) العلم الأصيل الذي عليهم تعلمه فإنهم يجدونه في:

آية حكمة، أو فريضة عادلة أو سنّة قائمة. وهذا يعني التفقه في الدين ومعرفة الأحكام الشرعية، فقال لهم:

(تفقّهوا في دين الله، فإن الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب إلى المنازل الرفيعة، والرتب الجليلة، في الدين والدنيا. وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملاً..).

3ـ ثم وضّح (عليه السلام) طرق التعلم وكيفية الإفادة منه فحصرها في أربع:

أولاً: استماع العلم: فعلى المتعلم أن يصغي جيداً لما يسمعه من العالم لأن فنّ الاستماع هام كفنّ التعليم، ومن لم يسمع جيداً لا يستوعب جيداً.

ثانياً: الحفظ: وهو أمر ضروري لأن الذاكرة خزانة المعارف والعلوم فمن لا يحفظ لا يستطيع الإفادة ممّا تعلّمه.

ثالثاً: نشر العلم. ومن واجب العالم أن ينشر علمه ولا يبقيه محصوراً في صدره ذلك حتى يفيد به الآخرين. لأنّ العالم الذي يخزن علمه ويبخل به على سواه كالغني البخيل يخزن ماله فلا يفيد نفسه ولا يفيد غيره. لكن على العالم أيضاً أن يعرف أين ينشر علومه. عليه أن يضع الشيء في مواضعه، فلا ينشره إلا عند أهله. ذلك أن الماء يسقي به الزارع الأرض الخصبة وليس الأرض الرملية.

رابعاً: اقتران العلم بالعمل.

اقتران العلم بالعمل هو الغاية المرجوة. قال الدكتور زكي نجيب محمود في كتاب تجديد الفكر العربي: (من علامات هذا العصر المميزة أنه عصر العلم المقترن بالعمل والموصول أحدهما بالآخر. فإذا وجدت علماً مزعوماً لا يجيء بمثابة الخطة الدقيقة لعمل يؤدي فقل أنه ليس من العلم في شيء إلا باسم زائف).

لكن هذا الجديد المزعوم أعلنه أهل البيت (عليهم السلام) منذ أكثر من 1300 سنة.


العلم عند أهل البيت (عليهم السلام)

العلم بمعناه الشامل هو أن نعرف الشيء كما هو في حقيقته وواقعه ولا وزن لأي علم عند أهل البيت (عليهم السلام) إلا أن يجلب نفعاً، أو يدفع شرّاً تماماً كما قالوا عن العقل. لأن العلم عقل، والعالم هو العاقل. قال العالم والفيلسوف جابر بن حيّان تلميذ الإمام الصادق (عليه السلام): العقل والعلم والنور كلمات مترادفة.

فالعالم يعقل الأمور ويميز بين صحيحها وسقيمها ولا يستطيع أن يسكب علوماً بدون العقل، وبالعقل يتمكن العالم من كشف الأمور الغامضة وإخراجها من الظلام فيوضحها بنور عقله.

أما الجهل بالشيء مع العلم به هو أننا لا نتصوره إطلاقاً.

والجهل بالعلم هو تصور الشيء على غير ما هو عليه من حيث لا نحس ونشعر بالخطأ فنكون عندها بعيدين عن الواقع.

جاء في نهج البلاغة: (لا خير في علم لا ينفع) وجاء في سفينة البحار: عن الإمام الكاظم (عليه السلام): (أولى العلم بك ما لا يصلح لك العمل إلا به) والغاية من هذا أن الهدف من العلم إتقان العمل النافع.

قال الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله): (من أراد العمل منكم فليعلمه وليتقنه).

العلم أولاً والإتقان ثانياً؛ وهنا يكمن سر الفنون والفوارق بين المتعلمين. وإننا نجد الكثير من الناس من حصّلوا العلم ونالوا شهادات، لكن لم ينجحوا في حياتهم العملية. وهذا يعود إلى عدم إتقانهم العلوم التي حصّلوها. مثل الأطباء والمحامين والقضاة والأساتذة والمعلمين في المدارس والجامعات. فتحصل العلم شيء والفن في التعليم هو شيء آخر، المهم طريقة العطاء والأسلوب والعمل بلا علم ضرره أكثر من نفعه. قال بعض الحكماء: العمل بلا علم كشجرة بلا ثمر. وقال الإمام الصادق (عليه السلام):

(العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا تزيده سرعة السير إلا بعداً) فإذا كان العلم مرادفاً للنور فكيف لهذا الجاهل أن يستدل على طريقه وهو فاقد النور؟

وهنا نتذكر وصية الإمام الكاظم (عليه السلام) لهشام عندما قال له:

يا هشام: (إن ضوء الجسد في عينه، فإن كان البصرمضيئاً استضاء الجسد كله، وإن ضوء الروح العقل، فإن كان العبد عاقلاً كان عالماً بربّه، وإن كان عالماً بربّه أبصر دينه، وإن كان جاهلاً بربّه لم يقم له دين، وكما لا يقوم الجسد إلا بالنفس الحيّة فكذلك لا يقوم الدين إلا بالنية الصادقة، ولا تثبت النية الصادقة إلا بالعقل.

صفات العالم الصحيح

جاء في أصول الكافي للشيخ العلامة الكليني تحت عنوان:

المستأكل بعلمه: قال الإمام الصادق (عليه السلام): (أوحى الله إلى داود لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا، فيصدّك عن طريق محبتي، فإنّ أولئك قطاع طريق عبادي المريدين).

ومعنى ذلك إيّاك أن تركن إلى من يتخذ من عقله وعلمه خادماً مطيعاً لبلوغ أهوائه الشخصية ومطامعه الخاصة؛ لأنّه يقطع عليك الطريق إلى رحمتي ومرضاتي، وعلى كل من أراد الحق والعدل من عبادي.. ولا جزاء عند أهل البيت (عليهم السلام) لقاطع الطريق إلا القتل أو الصلب أو قطع اليد أو الرجل أو النفي، كما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي كتاب وسائل الشيعة وغيره من المراجع الموثوقة من كتب الحديث والفقه لشيعة أهل البيت (عليهم السلام).

وقال أحد الحكماء: أسوأ الأزمان زمن نجد فيه العلماء على أبواب الحكام.

وفي كتاب أشعة من بلاغة الإمام الصادق (عليه السلام): (إن في جهنم رحى تطحن العلماء الفجرة). يعلق على هذا المقال الشيخ العلامة محمد جواد مغنية فيقول: (قال هذا قبل ظهور الآلة التي جعلت قوى الشر أعظم فتكاً وافتراساً لأرواح الأبرياء وأجسادهم، وأكثر نهباً واغتصاباً لحقوق الناس وارزاقهم! ثم يتابع رحمه الله:

ولا أدري أي شيء كان يقول الإمام الصادق (عليه السلام) لو وجد في هذا العصر؟! وقد قرأ مقالاً في مجلة الهلال المصرية عدد تشرين الأول سنة 1972م بعنوان النبي والعلم جاء فيه:

(إن أعظم تكريم للعلم أن يكون أول أمر أنزله الله سبحانه على نبيه (صلّى الله عليه وآله) (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ) (48).

ونحن في حياتنا نرى كثيراً من القراءة، منها ما تكون باسم الله، وتكون في خدمة الإنسان.

ومنها ما تكون باسم التسلّط والهوى والاستعلاء الكاذب، والاستكبار. مثل قراءة إسرائيل في فلسطين ولبنان وسوريا والأرض العربية السليبة، وكقراءة أمريكا في أرض فيتنام.

كل ذلك علم وقراءة، ولكنها ليست باسم الله العلي العظيم بل باسم الشيطان الرجيم!!).

حدود العلم

العلم بحر واسع لا حدود له، يتجدد ويتطور يوماً بعد يوم. جاء في أصول الكافي عن الإمام الصادق (عليه السلام): (العلم يحدث يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة). ومعنى هذا أن لا حد له، وبذلك نطق العلم الحديث.

نشرت مجلة المعرفة السورية في العدد الثلاثين جاء فيه:

(إن التقدم العظيم الذي أحرزه علماء الطبيعة في أوائل القرن التاسع عشر ملأهم غروراً وخيلاء، وظنوا أنهم قد فرغوا من بناء صرح العلم.. حتى جاء القرن العشرين، فتبين أنهم كانوا في أول الطريق، وأن المسير بعيد وبلا نهاية).

وذلك ما من شيء إلا ويمكن أن يكون محلاً للبحث ظاهراً كان أم باطناً، ماضياً أم حاضراً، حتى الشيء الواحد يكون كل آن في شأن.

وقال سبحانه: (... وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (49).

وقال عزّ وجلّ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَ قَلِيلاً) (50).

وقال تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) (51).

وجاء في مستدرك نهج البلاغة أن الإمام علي أمير المؤمنين قال: (العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء أحسنه).

والحقيقة أننا إذا أردنا إحصاء العلوم والمعارف التي عرفها الإنسان لا يمكننا حصرها تماماً فهي عديدة ومتنوعة في شتى الحياة الإنسانية. لكننا نستطيع أن نأخذ من كل علم أحسنه وافضله، وهذا يعود إلى ثقافة الإنسان وتعمقه في معارفه وحسن تحصيلها.

العلم والعمل

قيمة كل علم من العلوم تظهر نتائجها بالعمل، فالعلم ضروري وهام لكن الأهم التطبيق العملي ففيه تتبلور مهارة كل فرد من الافراد المتعلمين. وهذا يعود بلا ريب إلى المواهب الذاتية المخبؤة في الداخل فكم نجد من الأشخاص الموهوبين لكن الظروف لم تساعدهم على اظهار مواهبهم عملياً. وما نبغي إليه هو أن فائدة العلم مقرونة بالعمل.

قال الدكتور زكي نجيب محمود في كتاب تجديد الفكر العربي:

(من علامات هذا العصر المميزة أنه عصر العلم المقترن بالعمل والموصول أحدهما بالآخر. فإذا وجد علماً مزعوماً لا يجيء بمثابة الخطة الدقيقة لعمل يؤدي فقل إنه ليس من العلم في شيء إلا باسم زائف).

وهذا الجديد المزعوم جاء عند أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

قال الإمام علي (عليه السلام): (من علم عمل). وهو يشير إلى أن العمل يفتح آفاقاً جديدة لمعارف جديدة، وهذه المعارف الكريمة تخدم بدورها النشاط العملي. وهكذا تتم الدورة الحياتية. ومعنى هذا أن العلم لا حد له كما سلف القول.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (من لم يصدق قوله عمله فليس بعالم...

العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل).

وقال الفيلسوف الملا صدرا (52) في شرح أصول الكافي: (العلم والعمل كالروح والجسد يتصاحبان ويتكاملان معاً، وإن كان مرتبة من العلم تستدعي عملاً بحسبه، وكل عمل يهيئ لنوع آخر من العلم).

وكما ترى هكذا جمع أهل البيت (عليهم السلام) بين العلم النظري، والعلم العملي. بين الفكر واليد، في مركب واحد. وهل أفضل من إطاعة اليد للفكر؟ فكلما ازدادت الإطاعة بينهما كلما كان الإتقان والإبداع في الأعمال فالتوافق بين الفكر واليد يعني تقدماً حضارياً راقياً في جميع أنواع الفنون: العلمية والأدبية والفنية والاجتماعية.. كالطب والبناء وإعمار الأرض وجميع العلوم والمهن والمعارف..

فالعلم هو اكتساب المعرفة الصحيحة من مصادرها السليمة، والفن يكمن في إخراج هذه العلوم وكيفية تطبيقها عملياً. ولنا في تجارب العلماء أفضل مثل على ذلك. وهذه التجارب هي التي ينادي بها العلماء في العصر الراهن. فالفيلسوف وعالم الاجتماع الانكليزي (فرنسيس بيكون) هو ـ حسب ما يزعمون ـ هو أول من دعا صراحة إلى اتخاذ العلم سبيلاً للارتقاء بحياة الإنسان العملية! (53).

وكم من حقائق اكتشفها الأوائل من معين العلوم الأصل (كتاب الله) الكريم، ثم اشتهر بها الأواخر. حتى الذرة التي اكتشفها قبل اينشتين وماركوني العالم العربي الجلدكي صاحب كتاب: الشذور (54).

كما ورد في كتاب من هدي القرآن الكريم للأستاذ أمين الخولي نقلاً عن الكامل لابن الأثير: أن عالماً مسلماً لم يعلن عن اسمه (اكتشف محرقاً جديداً أقوى ما عرف، وقدمه لجيش صلاح الدين الأيوبي ـ وقد بلغت القلوب الحناجر ـ خوفاً من حشود الصليبيين، فأحرق ما تفنن به الأعداء من إقامة أبراج لم يكن لجيش المسلمين عليه من قوة. وما من شك كان لهذا الاختراع الوقع الحسن في نفوس المسلمين عامة. قدر صلاح الدين هذا العمل وبذل لصاحبه الأموال والأقطاع، فرفضها وقال له: إنما عملت هذا العمل لله ومن أجل مساعدة عباد الله من المسلمين، وهذا واجبي الشرعي، ولا أريد الجزاء إلا من الله تعالى ثم اختفى هذا الإنسان النبيل العظيم دون أن يحمل التاريخ عنه شيئاً حتى اسمه. فكل ما يعرف عنه في المصادر التاريخية: إنسان من دمشق لا غير. وهذا هو العمل الشريف النبيل العمل في سبيل الله. حمل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مشعل النهضة العلمية في العالم الإسلامي، فأسسوا في حواضره معالم الحياة الفكرية، ودعوا المسلمين دعوات جادة تحمل طابع الإرشاد والتوجيه إلى الخير ليبنوا حياتهم الخاصة والاجتماعية على أساس من الوعي العلمي، وقد ملئت موسوعات الحديث والفقه بما أثر عنهم من أحاديث الترغيب في طلب العلم، عملاً يقول القرآن الكريم والرسول الأكرم محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله)، إن أول ما نزل الوحي على النبي (صلّى الله عليه وآله) نزل بآيات تدعو إلى التعلم وتطالبه بالقراءة. قال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (55).

ونجد القرآن الكريم بالإضافة إلى دعوته إلى التعليم وحضه على طلب العلم يبين درجات العلماء ويخاطب ذوي الألباب بقوله عزّ وجلّ:

(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) (56).

وقوله عزّ وجلّ: (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (57).

والرسول الكريم وهو الأمين على دعوة ربه قال (صلّى الله عليه وآله): (طلب العلم فريضة على كل مسلم) (58).

وقد بين (عليه السلام) منزلة العلماء، وحث الأمة على احترامهم ومعرفة حقوقهم فقال (صلّى الله عليه وآله): (ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقّه) (59).

هذه لمحة سريعة عن موقف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لطلاب العلم وحاملي لواء التحرير من الجهل والضلال، وقد سار على مسيرته الأئمة المعصومون من أمير المؤمنين إلى ولده الحسن إلى أخيه الحسين إلى ابنه زين العابدين إلى ابنه الباقر إلى ابنه الصادق إلى ابنه الإمام موسى الكاظم عليهم جميعهم أفضل الصلاة وأزكى السلام.

عني الإمام موسى (عليه السلام) بهذه الدعوة الحضارية الخلاّقة فأمر جميع المسلمين بالجد على تحصيل العلم والتفقه في الدين، وحذّرهم من طلب بعض العلوم التي لا يستفيدون بها في تطوير حياتهم الفردية والاجتماعية.

من هذه العلوم المفيدة لهم: الفقه الديني.

الفقه الديني عند الإمام (عليه السلام)

عمل الإمام (عليه السلام) بوصية جده وأبيه وحث المسلمين على التفقه في الدين، ومعرفة الأحكام الشرعية فقال لهم:

(تفقّهوا في دين الله، فإن الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب إلى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا، وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملاً..).

سأله بعض أصحابه عما يحتاج إليه من الأحكام الشرعية قائلاً: (هل يسع الناس ترك المسألة عما يحتاجون إليه؟

فقال (عليه السلام): (إن الناس لا يسعهم أن يتركوا ما يحتاجون إليه في أمور دينهم). وهذا بلا ريب أمر طبيعي وواقعي فالعلماء واجبهم الشرعي إرشاد الناس ونصحهم ليتفهموا أمور دينهم لأن المسلم الذي يموت ولم يتخذ مرجعاً دينياً يهتدي برسالته يموت موتة جاهلية. لذلك كان على المسلمين مجالسة العلماء.

مجالسة العلماء

من هنا وجدنا الإمام (عليه السلام) يأمر أصحابه بمجالسة العلماء الأفاضل للاستفادة من علومهم وآدابهم والاقتداء بسلوكهم فقال (عليه السلام): (محادثة العالم على الموابل خير من محادثة الجاهل على الزرابي) (60).

وبعد أن أشاد بفضل العلماء الذين هم أعلام الدين وورثة الأنبياء في حمل كتاب الله، عاد فحذر أصحابه منهم إذا استهوتهم الدنيا، واتبعوا السلطان، فإذا فعلوا ذلك فالحذر منهم واجب على الدين.

هذا عن واجبات العالم والآن ماذا عن واجبات المتعلم.

واجبات المسلم المتعلم

1ـ العمل: أعلن الإسلام دعوته الصريحة على العمل الحر والكسب الشريف. قال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (61) وهذا هو التوازن الذي يتسم به المنهج الإسلامي، التوازن السليم بين مقتضيات الحياة في الأرض، من عمل وكد وكسب ونشاط. وبين عزلة الروح فترة عن هذا الجو وانقطاع القلب وتجرده للذكر.

وهي ضرورة لحياة القلب الذي لا يصلح بدونها للاتصال والتلقي والنهوض. بتكاليف الأمانة الكبرى. وذكر الله سبحانه وتعالى لابدّ منه أثناء ابتغاء المعاش، والشعور بالله فيه هو الذي يحول نشاط المعاش إلى عبادة. ولكنه ـ مع هذا ـ لابدّ من فترة للذكر الخالص، والانقطاع الكامل، والتجرد المحض كما توحي الآيتان المباركتان.

إن الإسلام دعا الناس كافة إلى العمل، وحثهم عليه ليكونوا ايجابيين في حياتهم يتمتعون بالجد والنشاط ليفيدوا ويستفيدوا، وكره لهم الحياة السلبية والوقوف عند عمل لا يؤدي إلا إلى عرقلة الاقتصاد وشيوع الفقر والحاجة في البلاد.

وكتب الحديث استفاضت بما أثر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) الأكرم وعن أوصيائه المعصومين، والحث على العمل وإضفاء الصفات الكريمة عليه فقالوا: العمل شرف، والعمل جهاد والعمل تضحية والعمل عبادة.

وأهل البيت (عليهم السلام) كانوا يزاولون العمل بأنفسهم ليقتدي بهم سائر المسلمين. فالإمام جعفر الصادق (عليه السلام) كان يعمل في بعض بساتينه حدث أبو عمر الشيباني قال: رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) وبيده مسحاة وعليه إزار غليظ والعرق يتصبب منه، فقلت له:

(جعلت فداك أعطني أكفك) فقال (عليه السلام): (إني أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة) (62).

وقد سار الإمام الكاظم مسيرة أبيه (عليه السلام) فكان يعمل بنفسه لإعاشة عائلته، روى الحسن بن علي بن أبي حمزة قال: رأيت أبا الحسن موسى بن جعفر يعمل في ارض له، وقداستنقعت قدماه في العرق فقلت له: (جعلت فداك، أين الرجال؟) فقال (عليه السلام):

(عمل باليد من هو خير مني ومن أبي في أرضه، فبهر الحسن وانطلق يقول: من هو؟ فقال (عليه السلام):

رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وآبائي كلهم قد عملوا بأيديهم وهو من عمل النبيين والمرسلين والصالحين) (63).

وبذلك أعطى الإمام (عليه السلام) درساً مفيداً عن الإسلام فهو دين العمل والجد ولا علاقة بين العمل والمنزلة الاجتماعية للفرد مهما علت منزلته فهو مأمور بالعمل من أجل نفسه ومن أجل عائلته. وتقديراً لحقوق العامل قال أمير المؤمنين (ادفعوا اجر العامل قبل أن يجف عرقه).

نعود إلى ما كنا بصدده (الفقه الديني) هذه قبسات وضاءة من أحاديث الإمام (عليه السلام) من العقيدة.


معنى الله

روى الكليني عن عدة من أصحابنا، عن احمد بن محمد البرقي، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سئل عن معنى الله فقال: استولى على ما دق وجلّ (64).

وفي رسالة وجهها إليه الفتح بن عبد الله يسأله عن توحيد الله عزّ وجلّ فأجابه (عليه السلام) بعد البسملة: (الحمد لله الملهم عباده حمده، وفاطرهم على معرفة ربوبيته، الدال على وجوده بخلقه، المستشهد بآياته على قدرته) (65).

أراد (عليه السلام) أن الله استشهد على قدرته الباهرة بآياته العظيمة، كخلق السماوات والأرض والشمس والقمر، ويعبر عنها بالآيات الأفقية وبخلق الأرواح والعقول والنفوس وإدراكاتها وتسمى بالآيات النفسية وهي تدل على عظيم قدرته تعالى.

صفات الله

وتابع (عليه السلام): (الممتنعة من الصفات ذاته، ومن الأبصار رؤيته).

أشار (عليه السلام) إلى أن صفات الله عين ذاته تعالى، وليست عارضة عليه كعروضها على الممكن، وقد أقيمت الأدلة الوافرة في علم الكلام على ذلك. وإن الأبصار تمتنع عن رؤيته تعالى وفيه إيماء لطيف على عدم امتناع إدراك البصائر والقلوب من رؤيته، ولكنها تراه بنور المعرفة وحقيقة الإيمان كما قال (عليه السلام): (ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان).

(ومن الأوهام الإحاطة به، لا أمد لكونه، ولا غاية لبقائه) (66).

أراد (عليه السلام) أن الله يحيط بما سواه فكيف يحيط به شيء من الأوهام التي لا تتعلق إلا بالمعاني الجزئية المحدودة.

وإنه تعالى فوق الآجال والأزمنة فلا أمد له، فإن الزمان مخلوق له، وإن بقاءه تعالى قائم بذاته وليس بصفة عارضة.

النهي عن التشبيه

وعن الحسن بن عبد الرحمن الحماني قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): إن فلاناً زعم أن الله جسم ليس كمثله شيء، عالم، سميع، بصير، قادر، متكلم، ناطق، والكلام والقدرة والعلم يجري مجرى واحد، ليس شيء منها مخلوقاً.

فقال (عليه السلام): قاتله الله أما علم أن الجسم محدود والكلام غير المتكلم معاذ الله وأبرأ إلى الله من هذا القول، لا جسم ولا صورة ولا تحديد وكل شيء سواه مخلوق، إنما تكون الأشياء بإرادته ومشيئته من غير كلام ولا تردد في نفس ولا نطق بلسان. إن الله لا يشبهه شيء (67).

النهي عن الحركة

روى محمد بن أبي عبد الله عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر، عن أبي إبراهيم موسى بن جعفر (عليه السلام) أنه قال:

(لا أقول: إنه قائم فأزيله عن مكانه، ولا أحدّه بمكان يكون فيه، ولا أحدّه أن يتحرّك في شيء من الأركان والجوارح، ولا أحدّه بلفظ شق فم، ولكن كما قال الله تبارك وتعالى: (كُنْ فَيَكُونُ) بمشيئته من غير تردد في نفس، حمداً فرداً، لم يحتج إلى شريك يذكر له ملكه ولا يفتح له أبواب علمه) (68).


الإرادة والتقدير والمشيئة

روى علي بن محمد بن عبد الله، عن احمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن علي بن إبراهيم الهاشمي قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: لا يكون الشيء إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى، قلت: ما معنى شاء؟ قال: ابتداء الفعل، قلت: ما معنى قدر؟ قال: تقدر الشيء من طوله وعرضه، قلت: ما معنى قضى؟ قال: إذا قضى أمضاه، فذلك الذي لا مردّ له (69).

ـ روى أبو جعفر الطوسي عن صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) أخبرني عن الإرادة من الله عزّ وجلّ ومن الخلق؟ فقال: الإرادة من الله تعالى أحداثه الفعل لا غير ذلك، لأنه جلّ اسمه لا يهم ولا تفكر (70).

علم الله تبارك وتعالى

سئل الإمام (عليه السلام) عن علم الله تعالى بسؤال جاء فيه: هل أن الله كان يعلم الأشياء، قبل أن خلق الأشياء وكوّنها، أو أنه لم يعلم ذلك حتى خلقها وأراد خلقها وتكوينها، فعلم ما خلق عندما خلق وما كوّن عندما كوّن؟ فأجاب (عليه السلام) موقعاً بخطه: (لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعدما خلق الأشياء) (71).

وكتب إليه محمد بن حمزة رسالة يسأله فيها عن علم الله وهذا نصها:

(إن مواليك اختلفوا في العلم، فقال بعضهم: لم يزل الله عالماً قبل فعل الأشياء، وقال بعضهم: لم يزل الله عالماً لأن معنى يعلم يفعل فإن أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الأزل معه شيئاً، فإن رأيت جعلني الله فداك أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه).

فكتب (عليه السلام) إليه: (لم يزل الله عالماً تبارك وتعالى ذكره) (72).

وكما نرى كان جوابه (عليه السلام) عن هذه المسألة مجملاً نظراً لقصر فهم السائل عن إدراك الجواب. لأن هذه المسألة من أشكل المسائل الفلسفية وقد وقع الاختلاف فيها بين أعاظم الفلاسفة القدامى.

فالمشائيون تبعاً لمعلمهم أرسطوطاليس ذهبوا إلى أن علمه تعالى بالأشياء متقدم عليها. والإشراقيون تبعاً لمعلمهم أفلاطون ذهبوا إلى أن علم الله عزّ وجلّ بالأشياء مقارن لإيجاد الشيء. وقد استدل الفريقان بأدلة كثيرة فيها لون من الغموض والإبهام، لسنا الآن في صددها.

وروى الصدوق عن الكاهلي قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) في دعاء: (الحمد لله منتهى علمه) فكتب إليّ: لا تقولن منتهى علمه، ولكن قل منتهى رضاه (73).

وعنه بإسناده عن الحسن بن يزيد بن عبد الأعلى، عن العبد الصالح موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: علم الله لا يوصف منه بأين، ولا يوصف العلم من الله بكيف، ولا يفرد العلم من الله ولا يبان الله منه، وليس بين الله وبين علمه حدّ (74).

جوامع التوحيد

قال الصدوق: حدثنا أبي عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان عن محمد بن أبي عمير، قال: دخلت على سيدي موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقلت له: يا ابن رسول الله علمني التوحيد. فقال: يا أبا أحمد لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره الله تعالى ذكره في كتابه فتهلك.

واعلم أن الله تعالى واحد أحد، صمد، لم يلد فيورث، ولم يولد فيشارك، ولم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولا شريكاً، وإنه الحي الذي لا يموت، والقادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا يغلب، والحليم الذي لا يعجل، والدائم الذي لا يبيد، والباقي الذي لا يفنى، والثابت الذي لا يزول، والغنى الذي لا يفقر، والعزيز الذي لا يذل. والعالم الذي لا يجهل، والعدل الذي لا يجور، والجواد الذي لا يبخل، وإنه لا تقدره العقول، ولا تقع عليه الأوهام، ولا تحيط به الأقطار، ولا يحويه مكان، ولا تدركه الأبصار وهو اللطيف الخبير، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير. ما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم ولا خمسة إلا وهو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا وهو معهم أينما كانوا. وهو الأول الذي لا شيء بعده، وهو القديم وما سواه مخلوق محدث تعالى عن صفات المخلوقين علواً كبيراً (75).

العدل

قال الصدوق: حدثنا محمد بن احمد الشيباني.. عن الإمام علي بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه الرضا علي بن موسى (عليهم السلام) قال: خرج أبو حنيفة ذات يوم من عند الصادق (عليه السلام)، فاستقبله موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقال له: يا غلام ممن المعصية؟

قال: لا تخلو من ثلاث: إما أن تكون من الله عزّ وجلّ، وليست منه فلا ينبغي للكريم أن يعذّب عبده بما لا يكتسبه، وإما أن تكون من الله عزّ وجلّ ومن العبد، وليس كذلك فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف، وإما أن تكون من العبد وهي منه، فإن عاقبه الله فبذنبه وإن عفا عنه فبكرمه وجوده (76).

هل الله تعالى شيء؟

قال الصدوق: حدّثنا جعفر بن محمد بن مسرور، قال: حدّثنا محمد بن جعفر بن بطة، قال: عن محمد بن عيسى بن عبيد، قال:

قال لي أبو الحسن (عليه السلام): ما تقول إذا قيل لك: أخبرني عن الله عزّ وجلّ شيء أم لا؟ قال فقلت له: قد أثبت الله عزّ وجلّ نفسه شيئاً يقول: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) فأقول: إنه شيء لا كالأشياء، إذ في نفي الشيئية عن إبطاله ونفيه، قال لي: صدقت وأصبت، ثم قال لي الرضا (عليه السلام) للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: نفي، وتشبيه، وإثبات بغير تشبيه، فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز لأن الله تبارك وتعالى لا يشبهه شيء، والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه (77).


ليس كمثله شيء

قال الصدوق: أبي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد قالا: حدثنا محمد بن يحيى العطار؛ وأحمد بن إدريس عن بعض أصحابنا، عن طاهر بن حاتم بن ماهويه قال: كتبت إلى الطيب يعني أبا الحسن موسى (عليه السلام): ما الذي لا تجزئ معرفة الخالق بدونه فكتب:

ليس كمثله شيء ولم يزل سميعاً وعليماً وبصيراً، وهو الفعال لما يريد (78).


نفي الزمان والمكان

قال الصدوق: حدثنا علي بن الحسين بن الصلت، قال: حدثنا محمد بن احمد بن علي بن الصلت عن عمه أبي طالب عبد الله بن الصلت، عن يونس بن عبد الرحمن، قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) لأي علة عرج الله بنبيه (صلّى الله عليه وآله) إلى السماء، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النور، وخاطبه وناجاه هناك والله لا يوصف بمكان.

فقال (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان، ولا يجري عليه زمان، ولكنه عزّ وجلّ أراد أن يشرّف به ملائكته وسكان سماواته، ويكرّمهم بمشاهدته ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه، وليس ذلك على ما يقول المشبّهون، سبحان الله وتعالى عما يشركون (79) إن الله تبارك وتعالى كان ولم يزل بلا زمان ولا مكان وهو الآن كما كان، لا يخلو منه مكان ولا يشغل به مكان، ولا يحل في مكان وليس بينه وبين خلقه حجاب.


الإرادة التكوينية والإرادة التشريعية

قال الإمام الكاظم (عليه السلام): إن لله إرادتين ومشيئتين: إرادة حتم، وإرادة عزم. ينهى وهو يشاء، ويأمر وهو لا يشاء، أو رأيت أنه نهى آدم وزوجته أن يأكلا من الشجرة، وشاء ذلك، ولو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة الله تعالى.

وأمر إبراهيم أن يذبح ابنه إسماعيل ولم يشأ أن يذبحه ولو شاء لما غلبت مشيئة إبراهيم مشيئة الله تعالى (80).

وبيان مراده (عليه السلام) إن الإرادة تنقسم إلى الإرادة التكوينية الحقيقية، وإلى الإرادة التشريعية الاعتبارية، فإرادة الإنسان التي تتعلق بفعل نفسه إرادة تكوينية تؤثر في أعضائه إلى إيجاد الفعل ويستحيل معها تخلف الأعضاء عن المطاوعة إلا لمانع. وأما الإرادة التي تتعلق بفعل الغير كما إذا أمر بشيء أو نهى عنه فإن هذه الإرادة ليست تكوينية بل هي تشريعية لأنها لا تؤثر إيجاد الفعل أو تركه من الغير بل تتوقف على الإرادة التكوينية له.

وأما إرادة الله التكوينية فهي التي تتعلق بالشيء، ولابد من إيجاده ويستحيل فيها التخلف، وأما إرادته التشريعية فهي التي تتعلق بالفعل من حيث أنه حسن وصالح، وأما نهي الله لآدم عن الأكل من الشجرة وقد شاء ذلك وأمره تعالى لإبراهيم بالذبح لابنه إسماعيل وقد شاء ذلك فإن النهي والأمر فيهما تشريعيان، كما أن المراد بالمشيئة هي المشيئة التكوينية، وقد صرحت الرواية بأن إبراهيم قد أمر بذبح ولده إسحاق دون إسماعيل، وهو مخالف لما تضافرت به الأخبار الواردة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) بأن الذي جعل قرباناً للبيت الحرام هو إسماعيل دون إسحاق.

وهنا يتوضع دور الإمام موسى (عليه السلام) في الدفاع عن العقيدة الإسلامية وإبطال حجج الملحدين وأفكارهم المزيفة وتفنيده لشبههم.

ولا يخفى ما ظهر في عصر الإمام من موجات إلحادية فجّرها المعادون للإسلام عندما وجدوا أن لا وسيلة لهم لمقاومته إلا بإشاعة ترهاتهم الباطلة ليضعفوا الجانب العقائدي بين المسلمين. ولكن لم تلبث هذه الأفكار، وقبرت تلك الأضاليل والبدع بواسطة المساعي الحميدة والهمم العالية التي بذلها أهل البيت (عليهم السلام) من أجل صيانة الإسلام وحمايته من شبهة الملحدين ومكايد المضللين.

إن تلك الموجات الإلحادية التي انتشرت في ذلك العصر تدل على أن المجتمع كان يعيش عيشة متحللة يسودها الشك في العقيدة الإسلامية والخلاف المذهبي. ومما لا شك فيه أن لاحتجاجات الأئمة (عليهم السلام) الأثر الفعال في إرجاع المسلمين إلى طريق الحق والصواب ومقاومتهم للغزو العقائدي الذي مني به العصر العباسي. فقد كان في أغلب أدواره عصر لهو ومجون قد أقبل الناس فيه إلى الاستمتاع بجميع أنواع المحرمات فاندفعوا على الطرب والغناء وشرب الخمر والميسر ومنادمة الجواري والغلمان وغيرها من المحرمات.

وقد شجعهم على ذلك الحكام الذين غرقوا في المحرمات والآثام، وسار الناس على مسراهم حيث لا حسيب ولا رقيب.

وإذا أردنا مثلاً دالاً على تسيّب الأخلاق في ذلك العصر فلنا شعراء العصر العباسي فقد كانوا يمثلون المجتمع في جميع اتجاهاته وميوله تمثيلاً صحيحاً. فقد كان شعرهم يصف القيان والخمر، واللذة والشهوات وأكثر ما أثر عنهم في هذا المجال وصمة عار في تاريخ الأدب العربي فأبو نواس كرّس كل مجهوده الفكري على وصف: الكؤوس والأكواب والسقاة والدنان، والخمارين والندمان. ولم يفته أن يذكر أصناف الخمور، وطريقة صنعها وطعمها ولونها ورائحتها ممّا جعله يلتفت إلى كل ما يتصل بها ويحس بها بما لم يحس بها غيره. فقال:

لــــي نشـــــوتان وللـــــندمان واحــدة شـــيء خصــصت به من بينهم وحدي


وقد وصل به حُبِّه للخمر إلى درجة العبادة والتقديس.

وقد تحوّلت بغداد الرشيد والمنصور والهادي.. إلى دور للهو والعبث والمجون. فانساب الناس وراء الشهوات ونبذوا القيم الإسلامية السامية وأدى ذلك إلى انحطاط في الأخلاق وانغماس في الإثم والمنكر. ومما لا شك فيه أن سياسة الحكم العباسي هي المسؤولة عن هذه الموجة من التحلل واللهو وإشاعة المنكر والفساد.

لذلك كله عمد أهل البيت (عليهم السلام) إلى الوقوف في وجه هذا التيّار الفاسد وبدأوا بإرشاداتهم ونصحهم وتوضيحهم أمور الدين الحنيف ورد الشبهات والانحرافات. ومن هذه الأدوار الإصلاحية الهامة دور الإمام الكاظم الذي أكمل مسيرة آبائه وأجداده الكرام فأجاب على كل الأسئلة والشبهات وكان لنا من مناظراته واحتجاجاته.
(45) الكافي، ج1، ص32.
(46) بحار الأنوار، ج1، ص168.
(47) كشف الغمة، 2، ص255.
(48) سورة العلق: الآية 3.
(49) سورة يوسف: الآية 76.
(50) سورة الإسراء: الآية 85.
(51) سورة طه: الآية 114.
(52) هو محمد بن إبراهيم الشيرازي الحكيم المعروف كان أعلم أهل زمانه في الحكمة، متقناً لجميع فنونها ـ كما قال صاحب السلافة. له الأسفار الأربعة، وشرح أصول الكافي للشيخ العلامة الكليني وتفسير بعض السور القرآنية و(كسر الصنام الجاهلية) و(شواهد الربوبية) وغيرها من المؤلفات القيمة.

توفي في البصرة في حال توجهه إلى الحج وذلك سنة 1050هـ جاء ذلك في الكنى والألقاب، ج2، ص372. ويعد هذا العالم الجليل الذي قرن علمه بالعمل من شيعة أهل البيت المعروفين.
(53) راجع كتاب علم الاجتماع الأدبي للمؤلف، د. حسين الحاج حسن.
(54) راجع مجلة المعرفة السوية، العدد 150، ص27.
(55) سورة العلق: الآية 1.
(56) سورة الزمر: الآية 9.
(57) سورة المجادلة: الآية 11.
(58) سنن ابن ماجه، ج1، ص50 رواه أنس عن الرسول (صلّى الله عليه وآله).
(59) مجمع الزوائد، ج1، ص121 رواه الإمام احمد بإسناد صحيح.
(60) الزرابي: الفرش الفاخر.
(61) سورة الجمعة: الآية 10.
(62) العمل وحقوق العامل في الإسلام، ص135.
(63) من لا يحضره الفقيه، ج3، ص53.
(64) الكافي ج1، ص115.
(65) حياة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، ج1، ص223.
(66) نفسه، ج1، ص224.
(67) الكافي، ج1، ص106.
(68) نفسه، ج1، ص125.
(69) نفسه، ج1، ص150.
(70) أمالي الطوسي، ج1، ص214.
(71) الكافي، ج1، ص107.
(72) نفسه، ج1، ص107.
(73) التوحيد، ص134.
(74) التوحيد، ص138.
(75) التوحيد، ص76.
(76) نفسه، ص96 وعيون أخبارالرضا، ج1، ص138.
(77) التوحيد، ص107.
(78) نفسه، ص284.
(79) نفسه، ص175.
(80) أصول الكافي، ص151.

شبكة أنصار الحسين  

الانتقال السريع إلى بقية الأقسام 


جميع الحقوق محفوظة لشبكة أنصار الحسين (ع) © 2009