مات التصبر في انتظارك أيها المحيي الشريعهْ ** فانهض فما أبقى التحمل غير أحشاء جزوعه ** قد مزقت ثوب الأسى وشكت لواصلها القطيعة ** فالسيفُ إن به شفاءَ قلوب شيعتِك الوجيعه ** فسواهُ منهم ليس يُنعش هذه النفسَ الصريعه ** طالت حبـال عواتق فمتى تكون به قطيعه ** كم ذا القعود ودينكم هدمت قواعده الرفيعة ** تنعى الفروعُ أصولَه وأصولُه تنعى فروعَه    سجل الزوار   اتصل بنا      
موسوعة أنصار الحسين (ع)

 
الرئيسية موسوعة أهل البيت (ع) كتب حول أهل البيت (ع) الحق المبين في معرفة المعصومين عليهم السلام المرجع الخراساني وفهم النبي وآله صلى الله عليه وآله

المرجع الخراساني وفهم النبي وآله صلى الله عليه وآله
+ تكبير الخط - تصغير الخط

إرسال المرجع الخراساني وفهم النبي وآله صلى الله عليه وآله إلى صديقك

طباعة نسخة من المرجع الخراساني وفهم النبي وآله صلى الله عليه وآله

عرفت المرجع الوحيد الخراساني في الكويت قبل نحو ثلاثين سنة ، لكني لم أعرف منهجه في فهم النبي وآله صلى الله عليه وآله حتى اطلعت على محاضراته وآرائه في قم المشرفة ، فوجدت فيها ضالتي التي كنت أبحث عنها ، والبراهين على قناعاتي الكامنة ، بل وجدت في عمق فهمه للنبي والأئمة صلوات الله عليهم مالم أجده إلا عند القليل ممن عايشته من علمائنا المعاصرين .

فما دام الأئمة المعصومون عليهم السلام مشروعاً ربانياً تولى وضع خطته وتنفيذها الحكيم الخبير عز وجل ، فلا يصح أن نحصر دورهم في عصر دون عصر ، ولا أن نلخيصه في العمل لتسلم السلطة ، ولا اختصاره في بيانهم لبعض العلوم ، ورقابتهم على بعض الأوضاع.. فقضيتهم عليهم السلام أعمق من ذلك وأوسع .

يدلنا على عمقها حتى لو لم نصل الى غورها ، ما نراه من عمل صاحب مشروعهم عز وجل في هذا الكون الوسيع والطبيعة التي حولنا وفي أنفسنا ، هذا الصنع الذي بلغ أقصى درجات الإعجاز والإتقان .

وإذا كان من الغباء أن نُبَسِّط أيَّ جزءٍ منه ، أو نُسَطِّح فيزياءه وقوانينه ، فإن من الغباء الأكبر أن ننظر بسطحية الى مشروع النبي والأئمة عليهم السلام الذي هو أعمق من فيزياء الطبيعة بكثير ، فهم حجج الله تعالى على خلقه ، بعلمهم ومعجزاتهم ، وهم نوره في أرضه ، هذا النور الذي قال لنا عنه سبحانه في سورة النور (آية:35) إنه موجود في بيوت عندكم: ﴿ اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ، الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاشَرْقِيَّةٍ وَلاغَرْبِيَّةٍ ، يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِئُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ . يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شئ عَلِيمٌ  .

فالنبي وآله المعصومون صلى الله عليه وآله نور الله في أرضه ، والرابط بينه وبين خلقه ، لايصح أن نقسس بهم أحداً.. لابعلمهم ، ولابأفعالهم ، ولابأرواحهم ، ولا بأجسادهم ، ولا بفريضة ولايتهم وطاعتهم عليهم السلام !

وليس كل من ادعى الفهم فاهماً ، ولامن ادعى العلم عالماً ، ولامن تعاطى الطب طبيباً ، ولا كل من ورد بحر فهم الأنبياء والمعصومين عليهم السلام سبَّاحاً ، فإن بحوث معرفة شخصياتهم المقدسة عليهم السلام بحرٌ ، النجاةُ فيه في اللجة ، والغرق فيه في الشاطئ ، وهو بحرٌ يحتاج الى فهم الفقيه ، وعمق الفيلسوف ، وفهم المعصوم من كلام معصوم ، ويحتاج بعد ذلك الىنبض قلب وإشراقة روح.. وتلك ميزات وهب الله منها الكثير للمرجع الأستاذ دام ظله .


فهــم الفقيــه


إذا قرأت نصاً لعقد عمل أوإنشاء شركة ، فسوف تفهمه ، أو تفهم منه لكن لو أعطيته الى خبير قانوني فسيفهمه بشكل أعمق .

إن الفرق بين فهم الشخص العادي وفهم الحقوقي المتخصص، مثلٌ تقريبي نعرف به الفرق بين فهم الفقيه وغير الفقيه .

والفقيه بمستوى مراجعنا الكبار ، أدقُّ من الحقوقي الذي قضى عمره في القانون ، لأن منهج الفقهاء في البحث أصح ، وجهدهم أكثر .

غيرُ الفقيه يقرأ بالجملة ، والفقيه يقرأ بالمفرد .

غيره يقرأ بالطول ، وهو يقرأ في العمق .

غيره يقرأ الكلمات والجمل ويفهم منها ، وهو يتأمل في اختيار الكلمة وصيغتها في نفسها ، وتركيبها مع أخواتها ، ونوع الربط والرابط بينهن .

غير الفقيه يفهم المعنى الظاهر الذي تدل عليه الألفاظ ، والفقيه يفهم الظاهر ولوازمه وأبعاده ، ويفهم العمق ، وأبعاده وإشاراته .

غير الفقيه يتعامل مع اللفظ بسطحية ، والفقيه يتفهم اللفظ واللغة ، ويحترم المتكلم واختياره .

غير الفقيه يفهم العقيدة بقطع النظر عن معمارية الشريعة في مفرداتها وقواعدها وأهدافها ، فقد يلائمها ، وقد يخسر الإنسجام مع بنائها .. والفقيه يستحضر منظومة الشريعة بكل أحكامها ، فيجئ فهمه للعقيدة غنياً بفهمه للشريعة ، صَرْحَيْن مُتَّسَقَيْن مُتَنَاسِقَيْن .

غير الفقيه يكون فهمه عادةً في معرض الإشكال والنقض والرد والبدل، والفقيه يفهم بعقلية الأصولي الذي عايش لسنين طويلة أبحاث أصول الفقه الدقيقة العميقة ، وقتلها بحثاً وتعمقاً ، وتشقيقاً ، وإشكالاً ورداً ، من أول بحث الوضع والمعنى الحرفي، الى آخر بحث التعارض والتراجيح.

نقل لي أحدهم أن الكاتب المصري المعروف أحمد أمين عندما زار النجف الأشرف سأل المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء+عن علم أصول الفقه، فدعا له بالمجلد الأول من كفاية الأصول للمحقق الخراساني+، فقرأ فيه أحمد أمين ، ثم قرأ .. وقال: لم أفهم !

فقال له: نعم ، لأنك لم تدرس.. وهذا علم يحتاج الى دراسة !


عمـق الفيلسـوف

يحترم الناس الفلاسفة بقطع النظر عن عقائدهم ، بسبب مستوياتهم الذهنية العالية . فالذي يستطيع أن يفهم مصادر الفلسفة القديمة اليونانية وما طوَّر فيها الفلاسفة المسلمون ، ويستوعب منظومة السبزواري وشفاء ابن سينا وإشاراته مثلاً ، أو يستوعب الفلسفة الحديثة كفلسفة كانت ، وديكارت ، وبراتراند راسل.. لابد أن يكون فهيماً صاحب مستوى ذهني عال .

والمرجع الوحيد الخراساني بهذا الميزان، من أصحاب هذه الذهنيات العالية ، حيث درس أمهات كتب الفلسفة ، فهو أستاذ فيها ، وإن كان وزن الفلسفة والفلاسفة عنده خفيفاً، فنراه عندما يتعرض لبعض نظريات الشيخ الرئيس ابن سينا ، إنما يحترمه لأنه وصل في آخر عمره الى اليأس من الفلسفة ، وتوجه بفكره ليقتبس من القرآن الكريم .

من هنا كانت خبرته الفلسفية عاملاً مساعداً في فهمه للنبي وآله صلى الله عليه وآله توجب مزيد اطمئنان لأولئك الذين يُكْبِرون الفلسفة .

فهم شخصية المعصوم من كلام المعصوم عليه السلام

كلما تقدمت المعرفة بالفلاسفة والمفكرين والعلماء ، اكتشفوا أبعاداً جديدة في كلام النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ، وعرفوا قيمتهم أكثر ، وعرفوا أن شخصية المعصوم يجب أن تفهم من كلام المعصوم عليهم السلام !

صحيح أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وآله : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (سورة فصلت:6) ، لكنه قال لنا بذلك إن النبي مثلنا وليس مثلنا ! وإن شخصيته مركبة من جنبة بشرية يعاملنا بها ، وجنبة غيبية يتلقى بها الوحي والعلم من رب العالمين ! وأنى لنا أن نفهم بفكرنا وعقلنا جنبة الغيب في شخصيته ، إلا بكلام معصوم له نافذة مفتوحة على الغيب؟!

بل حتى المثلية في قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ، تعني أنه من وسطكم يعرف تفكيركم ومشاعركم ويدرك مشكلاتكم ، ولاتعني أنه مثلنا بمستوانا ونوع تفكيرنا ومشاعرنا ، فإن له صلى الله عليه وآله عالمه الأعلى الذي لانرتقي اليه ، كما أنه لاينزل الى عوالمنا الدنيا !

فالنبي إذن بسبب رقيِّ فكره ومشاعره ليس مثلنا ، وبسبب أن شخصيته مفتوحة على الغيب ليس مثلنا ! فماذا بقي من المثلية التي تمكننا من الإحاطة بحقيقة شخصيته صلى الله عليه وآله ؟! وكذلك هي شخصيات المعصومين من عترته عليهم السلام .

ومن هنا نعرف لماذا اختار الله تعالى لفظ البشرية للمثلية ، دون الإنسانية !

ومن هنا كانت قوة منهج المرجع الأستاذ في أن فهم المعصوم لايمكن إلا من كلام المعصوم عليهم السلام ، وقد طبقه في محاضراته خير تطبيق فكشف أبعاداً جديدة في شخصياتهم ومقاماتهم عليهم السلام لم تكن تتيسر لولا هذا المنهج .


نبض القلب وإشراقة الروح

أقصد بنبض القلب: التفاعل الإنساني العقلي والعاطفي مع الحقائق التي تهز العقل والقلب ، الحيَّيْن الحَيَويَّيْن .

وبإشراقة الروح: تلك الإنارة التي ينعم الله بها على الإنسان فتضئ له الأمر ، فيراه على واقعه ، أو قريباً من واقعه .

وهما أمران يتوقفان على عدة عوامل تكوينية وسلوكية يتفاوت فيها الناس كثيراً ، وتختلف تبعاً لها إشراقة أرواحهم ، ونبض قلوبهم !

فبعض الناس تراه قطعة عاطفة ، ينفعل من رمشة العين ، ويطير كالريشة في الهواء الذاري !

تراه انفعالياً لايعرف التعقل ، وكأنه لم يطرق سمعه أن الإنسان له عقل يفكر فيه ويصل به الى نتائج نظرية وعملية مهمة !

وبعض الناس تراه كأنه عقلٌ رياضي محض ، كل شئ عنده معادلة جافة إما معادلة حسابية مالية ، أو معادلة أحداث وقعت أو سوف تقع ، ثم لاشئ غير ذلك ! لا قلبٌ ينبض ، ولا عاطفةٌ تجيش !

تراه يواجه حدثاً تهتز له أحجار المقابر فلا يرفُّ له جفنٌ، ولايخفق له شعور، فكأنه في حياته لم يبتسم ولاسمع بمن يضحك ويبكي ويغضب!

وبين هذين النموذجين درجات كثيرة ...

وتكامل الشخصية وتميزها ، إنما يكون بما يحققه صاحبها فيها من تعادل قوى العقل والعاطفة ، وما يكسبه من استشراف الروح وإشراقتها .

وإذا نظرنا الى شخصية الشيخ الوحيد الخراساني بهذا الميزان، يبدو لنا أنها أقرب الى شخصيات أصحاب المعادلات الرياضية ، الذين لايعجبهم العجب، ولايهتمون بأكثر الأمور والقضايا التي يهتم بها الناس !

لكن يكفي أن تسأله مسألة تتعلق بالله تعالى أو بالنبي وآله الأطهار صلوات الله عليهم ، حتى تعرف أن اهتمامه هنا ، وليس هناك !

أو تسمع له محاضرة عنهم عليهم السلام لترى هذا الساكن الساكت عالَماً يموج بالإيمان ، وقلباً نابضاً بالأفراح والأحزان ، وروحاً مشرقة بنور النبي والزهراء والأئمة صلوات الله عليهم .

كنت نويت أن أكتب سيرته الذاتية حفظه الله في مقدمة هذا الكتاب ، وطلبت منه أن يخصص وقتاً للإجابة على أسئلتي التي أحتاجها لكتابة الموضوع ، فأوعدني خيراً واستمهلني أن يكمل عملاً بيده ، فصبرت حتى أكمله ، لكنه فكر فرأى سيرته الذاتية أمراً غير مهم فاعتذر عنها !

قالت له موازينه ومعادلاته إنها حديث عن الذات والذات غير مهمة ، وإنما المهم الحديث.. عن النبي وآل النبي صلى الله عليه وآله .

ميـــزة هذا الكتـــاب

وجدت في هذه الدروس ما أعتقده في فهم النبي وآله صلى الله عليه وآله ، فهي بمادتها العلمية وتحليلها تؤصل للمنهج الصحيح في معرفتهم عليهم السلام ، وبمادتها الولائية العملية تمثل أنشودتي التي أحب أملأ بها جنبات عقلي وروحي ، وأحملها معي الى قبري ، وألاقي بها ربي عز وجل ، وأشنِّفَ بها أسماع الموالين من إخواني الشيعة الذين يعرفون نبيهم صلى الله عليه وآله وأئمتهم عليهم السلام بهذا المنهج وهذا الفهم التقليدي الأصيل ، ويعيشون به معهم في ليلهم ونهارهم ، وتزهر به قلوبهم كالمصابيح ، وإن لم يستطيعوا أن يعبروا عنه بشرح وبرهان !

فهؤلاء الموالون هم الذين وصفهم الإمام الصادق عليه السلام ووصف أضدادهم بقوله: (تجد الرجل لايخطئ بلام ولا واو ، خطيباً مصقعاً، ولقلبُه أشدُّ ظلمةً من الليل المظلم ! وتجد الرجل لايستطيع يعبِّر عما في قلبه بلسانه، وقلبه يزهر كما يزهر المصباح) . (الكافي:2/422)

والحمد لله أن كثيرين عرفوا قيمة هذه الجواهر التي أفاضها شيخنا الأستاذ في مركز تدريسه العامر ، قاعة المسجد الأعظم بقم المشرفة، خاصة فضلاء تلاميذه ، الذين تخرَّج منهم على يده المئات وربما الألوف ، وفيهم من هو بمستوى المرجعية والحمد لله .

وقد انتشرت أشرطة هذه الدروس بشكل واسع ، لكني أردت أن أترجمها كاملة ، وأستخرج مصادر أحاديثها ونصوصها ، وأشرح بعض مواردها ، وأقدمها الى شيعة أهل البيت الطاهرين عليهم السلام بصيغة تضمن المحافظة على أفكارها ، وتتميز بحرية التعبير وسلاسة الأسلوب وانسيابه.. فكان هذا الكتاب الذي أرجو أن يكون ذخراً ليوم حشري ، وأن يكتبني الله تعالى به فيمن دافع عن التشيع الأصيل ، في عصر كثرت فيه الكتابات عن أنواع من التشيع ، منها الأصيل المشرق ، ومنها البائس الهزيل ، ومنها الإلتقاطي الهجين ، ومنها التحريفي الممسوخ .

أسأله تعالى أن يجزي أستاذنا المرجع خير الجزاء بما أوضح من معالم ولاية أهل البيت الطاهرين عليهم السلام وعرَّفَ بمقاماتهم ، ونَصر قضيتهم ، قضية الإسلام ، وأن يكتب لي سهماً في عمله ، ويشمله وإياي بشفاعتهم عليهم السلام .

حرره بقم المشرفة ، في الأول من صفر الخير 1424
علي الكوراني العاملي



موسوعة شبكة أنصار الحسين عليه السلام  

الانتقال السريع إلى بقية الأقسام 


جميع الحقوق محفوظة لشبكة أنصار الحسين (ع) © 2009