العنوان : غزوة بدر الكبرى

 " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون " وكان سبب ذلك أن عير القريش خرجت إلى الشام فيها خزائنهم ، فأمر النبي صلى الله عليه وآله أصحابه بالخروج ليأخذوها ، فأخبرهم أن الله تعالى قد وعده إحدى الطائفتين : إما العير أو قريش إن أظفر بهم، فخرج في ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا ، فلما قارب بدرا كان أبوسفيان في العير ، فلما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد خرج يتعرض العير خاف خوفا شديدا ، ومضى إلى الشام ، فلما وافى النقرة اكترى ضمضم بن عمرو الخزاعي بعشرة دنانير ، وأعطاه قلوصا ، وقال له : امض إلى قريش وأخبرهم أن محمدا والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم فأدركوا العير ، وأوصاه أن يخرم ناقته ، ويقطع أذنها حتى يسيل الدم ، ويشق ثوبه من قبل ودبر ، فإذا دخل مكة ولى وجهه إلى ذنب البعير وصاح بأعلى صوته وقال : يا آل غالب يا آل غالب ، اللطيمة اللطيمة ، العير العير ، أدركوا أدركوا وما أراكم تدركون ، فإن محمدا والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم ، فخرج ضمضم يبادر إلى مكة ، ورأت عاتكة بنت عبدالمطلب قبل قدوم ضمضم في منامها بثلاثة أيام كأن راكبا قد دخل مكة ينادي : يا آل غدر يا آل غدر ، اغدوا إلى مصارعكم صبح ثالثة ، ثم وافى بجمله على أبي قبيس فأخذ حجرا فدهده من الجبل فما ترك دارا من دور قريش إلا أصابه منه فلذة ، وكان وادي مكة قد سال من أسفله دما ، فانتبهت ذعرة فأخبرت العباس بذلك ، فأخبر العباس عتبة بن ربيعة ، فقال : عتبة : هذه مصيبة تحدث في قريش ، وفشت الرؤيا في قريش وبلغ ذلك أبا جهل فقال : ما رأت عاتكة هذه الرؤيا ، وهذه نبية ثانية في بني عبدالمطلب واللات والعزى لننتظرن ثلاثة أيام ، فان كان ما رأت حقا فهو كما رأت ، وإن كان غير ذلك لنكتبن بيننا كتابا أنه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالا ولا نساء من بني هاشم ، فلما مضى يوم قال أبوجهل : هذا يوم قد مضى ، فلما كان اليوم الثاني قال أبوجهل : هذا يومان قد مضيا ، فلما كان اليوم الثالث وافى ضمضم ينادي في الوادي : يا آل غالب ، يا آل غالب ، اللطيمة اللطيمة ، العير العير ، أدركوا وما أراكم تدركون ، فإن محمدا والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرضون لعيركم التي فيها خزائنكم ، فتصايح الناس بمكة ، وتهيأوا للخروج ، وقام سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية ، وأبوالبختري بن هشام ، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج ، ونوفل بن خويلد فقال : يا معشر قريش والله ما أصابكم مصيبة أعظم من هذه أن يطمع محمد والصباة من أهل يثرب أن يتعرضوا لعيركم التي فيها خزائنكم ، فوالله ما قرشي ولا قرشية إلا و لها في هذا العير نش فصاعدا ، وإنه لمن الذل والصغار أن يطمع محمد في أموالكم ويفرق بينكم وبين متجركم ، فاخرجوا ، وأخرج صفوان بن أمية خمسمائة دينار وجهز بها ، وأخرج سهيل بن عمرو ، وما بقي أحد من عظماء قريش إلا أخرجوا مالا وحملوا وقووا ، وخرجوا على الصعب والذلول لا يملكون أنفسهم كما قال الله تبارك وتعالى : " خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس " وخرج معهم العباس ابن عبدالمطلب ونوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب ، وأخرجوا معهم القيان يشربون الخمور ويضربون بالدفوف ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، فلما كان بقرب بدر على ليلة منها بعث بسيس بن أبي الزغبا وعدي ابن عمرو يتجسسان خبر العير ، فأتيا ماء بدر وأناخا راحلتيهما واستعذبا من الماء وسمعا جاريتين قد تشبثت إحداهما بالاخرى يطالبها بدرهم كان لها عليها فقالت : عير قريش نزلت أمس في موضع كذا وكذا ، وهي تنزل غدا ههنا ، وأنا أعمل لهم وأقضيك ، فرجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبراه بما سمعا ، فأقبل أبوسفيان بالعير فلما شارف بدرا تقدم العير وأقبل وحده حتى انتهى إلى ماء بدر ، وكان بها رجل من جهينة يقال له : كسب الجهني ، فقال له : يا كسب هل لك علم بمحمد وأصحابه ، قال : لا ، قال : واللات والعزى لئن كتمتنا أمر محمد لا تزال قريش لك معادية آخر الدهر ، فإنه ليس أحد من قريش إلا وله شئ في هذا العير فلا تكتمني ، فقال : والله ما لي علم بمحمد ، وما بال محمد وأصحابه بالتجار إلا أني رأيت في هذا اليوم راكبين أقبلا فاستعذبا من الماء وأناخا راحلتيهما ورجعا ، فلا أدري من هما ، فجاء أبوسفيان إلى موضع مناخ إبلهما ففت أبعار الابل بيده فوجد فيها النوى ، فقال : هذه علائف يثرب ، هؤلاء والله عيون محمد ، فرجع مسرعا وأمر بالعير فأخذ بها نحو ساحل البحر وتركوا الطريق ومروا مسرعين ، ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره أن العير قد أفلتت ، وأن قريشا قد أقبلت لمنع عيرها وأمره بالقتال ، ووعده النصر ، وكان نازلا بالصفراء فأحب أن يبلوا الانصار لانهم إنما وعدوه أن ينصروه وكان في الدار ، فأخبرهم أن العير قد جازت ، وأن قريشا قد أقبلت لتمنع عيرها ، وأن الله قد أمرني بمحاربتهم ، فجزع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك ، وخافوا خوفا شديدا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أشيروا علي فقام أبوبكر فقال : يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنها قريش وخيلاؤها ما آمنت منذ كفرت ولا ذلت منذ عزت ولم نخرج على هيئة الحرب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : اجلس فجلس ، فقال : أشيروا علي فقام عمر فقال مثل مقالة أبي بكر ، فقال : اجلس ، ثم قام المقداد فقال : يا رسول الله إنها قريش وخيلاؤها ، وقد آمنا بك وصدقناك ، و شهدنا أن ما جئت به حق من عند الله ، والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهراس لخضنا معك ، ولا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى : " اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " ولكنا نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فجزاه النبي خيرا ثم جلس ، ثم قال : أشيروا علي فقام سعد بن معاذ فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله كأنك أردتنا ؟ قال : نعم ، قال : فلعلك خرجت على أمر قد أمرت بغيره ؟ قال : نعم ، قال : بأبي أنت و أمي يا رسول الله إنا قد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله ، فمرنا بما شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، واترك منه ما شئت ، والذي أخذت منه أحب إلي من الذي تركت ، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضنا معك ، فجزاه خيرا ، ثم قال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، والله ما خضت هذا الطريق قط ومالي به علم ، وقد خلفنا بالمدينة قوما ليس نحن بأشد جهازا لك منهم ، ولو علموا أنه الحرب لما تخلفوا ، ولكن نعد لك الرواحل ، ونلقى عدونا فإنا صبر عند اللقاء ، أنجاد في الحرب ، وإنا لنرجو أن يقر الله عينك بنا ، فإن يك ما تحب فهو ذاك ، وإن يك غير ذلك قعدت على رواحلك فلحقت بقومنا فقال رسول الله أو يحدث الله غير ذلك ، كأني بمصرع فلان ههنا ، وبمصرع فلان ههنا ، وبمصرع أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومنبه ونبيه ابني الحجاج فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ولن يخلف الله الميعاد ، فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الآية : " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق " إلى قوله : " ولو كره المجرمون " فأمر رسول الله بالرحيل حتى نزل عشاء على ماء بدر ، و هي العدوة الشامية ، وأقبلت قريش فنزلت بالعدوة اليمانية ، وبعثت عبيدها تستعذب من الماء فأخذوهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وحبسوهم ، فقالوا لهم : من أنتم قالوا : نحن عبيد قريش ، قالوا : فأين العير ؟ قالوا : لا علم لنا بالعير ، فأقبلوا يضربونهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي فانفتل من صلاته ، فقال : إن صدقوكم ضربتموهم ، وإن كذبوكم تركتموهم ، علي بهم ، فأتوا بهم ، فقال لهم : من أنتم ؟ قالوا : يا محمد نحن عبيد قريش ، قال : كم القوم ؟ قالوا : لا علم لنا بعددهم ، قال : كم ينحرون في كل يوم جزورا ؟ قالوا : تسعة إلى عشرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : تسعمائة إلى ألف ، قال : فمن فيهم من بني هاشم ؟ قال : العباس بن عبدالمطلب ، و نوفل بن الحارث ، وعقيل بن أبي طالب ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بهم فحبسوا ، و بلغ قريشا ذلك فخافوا خوفا شديدا ، ولقي عتبة بن ربيعة أبا البختري بن هشام فقال له : أما ترى هذا البغي ؟ والله ما أبصر موضع قدمي ، خرجنا لنمنع عيرنا وقد أفلتت فجئنا بغيا وعدوانا ، والله ما أفلح قوم قط بغوا ، ولوددت أن ما في العير من أموال بني عبد مناف ذهب كله ، ولم نسر هذا المسير ، فقال له أبو البختري : إنك سيد من سادات قريش فتحمل العير التي أصابها محمد وأصحابه بنخلة ودم ابن الحضرمي فإنه حليفك ، فقال عتبة : انت علي بذلك ، وما على أحد منا خلاف إلا ابن الحنظلية يعني أباجهل ، فصر إليه وأعلمه أني قد تحملت العير التي قد أصابها محمد دم ابن الحضرمي ، فقال أبوالبختري : فقصدت خباه وإذا هو قد أخرج درعا له ، فقلت له : إن أبا الوليد بعثني إليك برسالة ، فغضب ثم قال : أما وجد عتبة رسولا غيرك ؟ فقلت : أما والله لو غيره أرسلني ما جئت ، ولكن أبا الوليد سيد العشيرة ، فغضب غضبة اخرى ، فقال : تقول سيد العشيرة ؟ فقلت : أنا أقوله وقريش كلها تقوله ، إنه قد تحمل العير ودم ابن الحضرمي ، فقال : إن عتبة أطول الناس لسانا ، وأبلغه في الكلام ، ويتعصب لمحمد فإنه من بني عبد مناف وابنه معه ، ويريد أن يخدر الناس ، لا واللات والعزى حتى نقحم عليهم بيثرب ونأخذهم أسارى ، فندخلهم مكة ، وتتسامع العرب بذلك ، ولا يكون بيننا وبين متجرنا أحد نكرهه ، وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كثرة قريش ففزعوا فزعا شديدا وشكوا وبكوا واستغاثوا ، فأنزل الله على رسوله " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين * وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عندالله إن الله عزيز حكيم " فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله و جنه الليل ألقى الله على أصحابه النعاس حتى ناموا ، وأنزل الله تبارك وتعالى عليهم الماء وكان نزول رسول الله صلى الله عليه وآله في موضع لا يثبت فيه القدم ، فأنزل الله عليهم السماء ولبد الارض حتى ثبتت أقدامهم ، وهو قول الله تبارك وتعالى : " إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان " وذلك أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله احتلم " وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام " وكان المطر على قريش مثل العزالي ، وعلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله رذاذا بقدر ما لبد الارض ، وخافت قريش خوفا شديدا ، فأقبلوا يتحارسون يخافون البيات ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله عمار بن ياسر وعبدالله بن مسعود فقال : ادخلا في القوم وائتونا بأخبارهم ، فكانا يجولان بعسكرهم لا يرون إلا خائفا ذعرا ، إذا صهل الفرس وثبت على جحفلته ، فسمعوا منبه بن الحجاج يقول :
 لا يترك الجوع لنا مبيتا * لا بد أن نموت أو نميتا (1)
  لما رجع رسول الله صلى الله عليه و آله إلى المدينة من بدر لم يقم بالمدينة إلا سبع ليال ٍ حتى غزا بنفسه ، يريد بني سليم حتى بلغ ماء من مياههم يقال له :الكُدر ، فأقام عليه ثلاث ليال ثمّ رجع إلى المدينة و لم يلق كيداً ، فأقام بها بقية شوّال و ذا القعدة و فادى في إقامته جلّ اُسارى بدر من قريش .
----------
(1) البحار ج19 ص244 

موسوعة أنصار الحسين عليه السلام  

 

وصلة المصدر : http://www.ansarh.com/maaref_detail.php?id=506
تاريخ ووقت الطباعة : Mon, 03-08-2020 08:22:39

موسوعة أنصار الحسين عليه السلام