العنوان : الإمام الكاظم عالم نفسي : محاسبة النفس

 

قال الله تعالى: (﴿ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً )(27).

وقال تعالى: (﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً )(28).

فعلم أصحاب البصائر أن العليم بالسرائر والمطلع على الضمائر سيحاسبهم على كل صغير أو كبير أو جليل أو حقير، وعلى مثاقيل الذر من الخطرات واللحظات والغفلات، ولا ينجيهم من هذه الأخطار العظيمة والأهوال الجسيمة إلا محاسبة أنفسهم في الدنيا قبل أن يحاسبوا يوم القيامة.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئاً إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم، ولا يكون له رجاء إلا من عند الله، فإذا علم الله ذلك من قلبه لم يسأله شيئاً إلا أعطاه، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها، فإن للقيامة خمسين موقفاً كل موقف مقام ألف سنة، ثم تلا (عليه السلام): (﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ )(29).

ومعنى المحاسبة هو أن يحاسب الإنسان نفسه أولاً بالفرائض التي هي بمنزلة راس ماله، فإن أدّاها على وجهها شكر الله على هذه النعمة، وإن فوّتها من أصلها طالبها بالقضاء. وكما أن التاجر يفتش في حساب الدنيا عن القيراط والحبة ليحفظ مداخل الزيادة والنقصان، فينبغي عليه أن يتقي غائلة النفس ومكرها لأنها خداعة، فليطالبها أولاً بتصحيح الجواب عن جميع ما يتكلم به طوال نهاره وليتكفل بنفسه من الحساب ما يستولي غيره في صعيد القيامة.

وهكذا عن نظره وسمعه ولسانه، بل عن خواطره وأفكاره وجميع جوارحه حتى عن سكونه وسكوته وأكله وشربه. فإذا عرف مجموع واجبات نفسه وصح عنده قدر ما أدى من الحق، كان ذلك القدر محسوباً له، فيثبته عليها ويكتبه على صحيفة قلبه.

قال الإمام الباقر (عليه السلام): لا يغرنك الناس من نفسك، فإن الأمر يصل إليك دونهم، ولا تقطع نهارك بكذا وكذا فإن معك من يحفظ عليك عملك فأحسن فإني لم أر شيئاً أحسن دركاً ولا أسرع طلباً من حسنة محدثة لذنب قديم.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): إن رجلاً أتى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال له: يا رسول الله أوصني. فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): فهل أنت مستوص إذا أنا أوصيتك؟ حتى قال له ذلك ثلاثاً, في كلها يقول له الرجل: نعم يا رسول الله. فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (فإني أوصيك إذا أنت هممت بأمر فتدبر عاقبته، فإن يك رشداً فامضه، وإن يك غيّاً فانته عنه.

والإمام الكاظم (عليه السلام) حثّ أصحابه على محاسبة أنفسهم والنظر في أعمالهم فإن كانت حسنة استزادوا منها، وإن كانت سيئة طلبوا من الله المغفرة والرضوان. قال (عليه السلام):

(ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسناً استزاد منه، وإن عمل سيئة استغفر الله منها وتاب إليه)(30).

مراقبة النفس

ينبغي على العبد أن يراقب نفسه في جميع أعماله، ويلاحظها بالعين الخالصة لأنها إن تركت بلا مراقبة فسدت وأفسدت. ثم عليه أن يراقب الله في كل حركة وسكون، وذلك بأن يعلم بان الله مطلع عليه وعلى ضميره، خبير بسرائره، رقيب على أعماله، قائم على كل نفس بما كسبت، وأن سر القلب عنده مكشوف كما أن ظاهر البشرة للخلق مكشوف، بل أشد من ذلك قال الله تعالى: (﴿ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً )(31).

وقال تعالى أيضاً: (﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى )(32).

وقال النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله): (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك).

ويروى أن زليخا لما خلت بيوسف قامت فغطّت وجه صنمها، فقال يوسف: ما لك تستحين من مراقبة جماد ولا استحي من مراقبة الملك الجبار؟!).

ولا ريب أن المراقبة تحصل من معرفة الله، والعلم بأنّه تعالى مطلع على الضمائر، عالم بما في السرائر، بمرأى منه وبمسمع، هؤلاء هم من الورعين أصحاب اليقين غلب اطلاع الله على ظواهرهم وبواطنهم، ولم يدهشهم ملاحظة الجمال والجلال، بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال، متسعة للتلفت إلى الأحوال والأعمال والمراقبة فيها، وغلب عليهم الحياة من الله فلا يقدمون ولا يحجمون إلا بعد التثبيت، ويمتنعون عن كل ما يفتضحون به في يوم القيامة. فإنّهم يرون الله عليهم، فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة.

قال الفقهاء: إن العبد لا يخلو إما أن يكون في طاعة أو معصية أو مباح.

فمراقبته في الطاعة بالإخلاص والإكمال ومراعاة الأدب وحراستها من الآفات. ومراقبته في المعصية بالتوبة والندم والإقلاع والحياء والاشتغال بالتفكير ومراقبته في المباح بمراعاة الأدب، بأن يقعد مستقبل القبلة وينام على اليد اليمنى مستقبلاً إلى غير ذلك. فكل ذلك داخل في المراقبة. وبشهود المنعم في النعمة وبالشكر عليها، وبالصبر على البلاء فإن لكل واحد منها حدوداً لابدّ من مراعاتها بدوام المراقبة.

قال تعالى: (﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ )(33).

وقال (صلّى الله عليه وآله): (رحم الله امرئً عرف حدّه فوقف عنده).

كيف تقاس الأعمال؟

الإسلام قد نظر إلى الدوافع الذاتية التي تدفع الإنسان إلى عمل الخير نظرة موضوعية أصيلة، وبنى الأعمال على أساس (النية) وقال: (الأعمال بالنيات).

لكل عمل يقوم به الإنسان جانبان، لكل منهما حساب مستقل على حدة فمن الممكن أن يكون عمله خيراً من جهة ولا قيمة له من جهة أخرى.

فهنا يجب أن ينظر إلى ما حمل فاعله عليه من الدوافع النفسية والروحية وحكمنا في مثل هذه الأعمال يستند إلى القيم الخاصة الاجتماعية والخارجية للعمل، ولا موضوعية لنية الفاعل من هذا المنظار. المهم النتيجة الإيجابية فلا يفرق لدينا أن يكون هدف المحسن من إحسانه الرياء والمنافع المادية، أو يكون له في علمه دافع قيم، وأن تكون هناك نية صافية نزيهة في هدف عمله. فالعمل الصالح في النظام الاجتماعي هو ما يكون نافعاً للمجتمع، ولا علاقة له بما فيه للفرد من تكامل معنوي، وأنه بادر إلى ذلك العمل بتأثر من أي دافع أو عامل؟

في شريعة الله لا ينظر إلى كمية العمل، بل إلى كيفية العمل وأثره النفسي والذاتي في شخص الفاعل، فهذا الذي يتقبله الله تعالى.

في هذا المجال الحساب يتبع ما بين الفعل والفاعل من الرابطة، وبأي نية أو هدف أقدم على ذلك العمل، فلو كان قد بادر إلى ذلك العمل الصالح بدافع الرياء فإن نفسه لم تتقرب بذلك إلى الله تعالى بل ابتعد وخاب ظنه، ولا يكفي لتلقي العمل الصالح لديه أن يكون مفيداً للمجتمع فحسب بل العمل الاجتماعي المفيد إنما يكون نافعاً بالنظر إلى التكامل المعنوي فيما إذا كانت الروح خارجة عن حصار الرياء والأهواء الشخصية إلى الصفاء في النيّة والخلوص إلى الله تعالى.

قال الله تعالى في كتابه العزيز: (﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ )(34).

وعن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله): (إنما الأعمال بالنيات).

فثبوت الإيمان بالله هي النية المعنوية، وعندئذٍ يتصف العمل بالقيمة الخالصة وسيكون صاحب هذا العمل مورد لطف الله وعنايته وحمايته. فالإنسان الذي لم تسطع أشعة الله على روحه هو خال من الإيمان والإخلاص، إنما يدفعه إلى القيام بالأعمال الميول النفسانية والشهرة الدنيوية الفانية، إنه بدأ عمله خلواً من روح الحقيقة وأنهاه ليظهر فضائله الإنسانية على الملأ بغية احترامه وتقديره.

هذا الهدف غير القيم يكون السبب الأساسي في رد عمله، ويصبح عمله لا قيمة له عند الله تعالى، ولا تعود منه عائدة سوى ذلك الهدف المحدود الذي كان يهدف إليه ليفيده في حياته الحاضرة.

وهذا ما نلاحظه اليوم عند اكثر المرشحين للنيابة في الانتخابات حيث يبدأ نشاطهم في إعمار المساجد ولم يدخلوها إلا وقت التدشين، وينفقون الأموال الطائلة على الموائد الشهية، والمظاهر الفارغة، والتبرعات الخاصة لذوي الحاجات. كل ذلك لإظهار كرمهم الزائف وافتخارهم أمام الناس لكسب رضاهم.

هؤلاء عطاؤهم مردود عند الله، لأنهم لم يكونوا مخلصين في نواياهم، ولم يعملوا لكسب رضا الله، بل همهم رضا الناس من أجل مصالحهم الخاصة. لكنهم لو عقلوا أكثر لأخلصوا في نواياهم وكسبوا رضا العباد، ورضى رب العباد. قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...)(35).

أما الذين يتمتعون بالثقة بأنفسهم ويعتمدون على أعمالهم فلا يشعرون بحاجة إلى الرياء لأنهم لا يعانون من أي مرض نفسي. وقد وصفهم أمير المؤمنين علي بن أي طالب (عليه السلام) فقال: (لسان المرائي جميل، وفي قلبه داء دخيل)(36).

وفيه عنه (عليه السلام) قال: (الافتخار من صغير الأقدار). يقول عالم نفسي كبير:

(من الوسائل التي نتوسل بها لجلب انتباه الآخرين عند الفشل وخيبة الأمل وعدم التوفيق، هو الإطراء في الثناء على أنفسنا، نتصور الأعمال التي نحب لو كنا نعملها لو كنا نحصل عليها، وكأنها كانت وحصلت فننسبها إلى أنفسنا، أو نقنع من أنفسنا أن نتحدث دائماً عن الأفعال التي عملناها وأن نعظمها مهما كانت صغيرة وحقيرة بدلاً من الأعمال التي لم نعملها والموفقيات التي لم نحصل عليها).

هذه الفئة من الناس ينخدع أفرادها بجزافاتهم ويرضون عن أنفسهم مخدوعين بحيث تفوتهم أية فرصة للسعي والتوفيق.

ولو كان الثناء على النفس يريح صاحبه من خيبة عدم التوفيق في الأعمال وعدم اجتذاب الناس إلى نفسه، فيخدع بذلك المستمعين بصورة مؤقتة، فإن ذلك لن يعالج المرض الأصيل.

أما الذي يعمل أعمالاً صالحة ويحصل من جراء ذلك على موقع محترم في قلوب الآخرين فلا حاجة له إلى الثناء على نفسه، فهو بدل ذلك يسعى ويعمل، ويحصل كل يوم على اصدقاء مخلصين وتقدير خاص في مجتمعه.

ويقول عالم نفسي آخر: إن الثناء على النفس يولد الانزعاج لدى الآخرين، فهو من جانب قد يشتمل على شيء من الكذب والتزوير، ومن جانب آخر هو ينشأ من الجهل والحماقة. إن من يتحدث عن صفة خاصة في نفسه وبصورة مستمرة قد يكون فاقداً لها. (وفاقد الشيء لا يعطيه). واعلموا أن الذين يتحدثون عن نجاحاتهم ومظاهر نشاطاتهم، وحسن تدبيرهم يفقدون بلا ريب مثل هذه المزايا.

ولا ينبغي أن ننسى أن الكذب حبله قصير، ولا يدوم كثيراً حتى ترتفع الحجب والستائر عن وجه الحقيقة، وحينئذ يفقد المرء كل مكانته ووجاهته بين أفراد مجتمعه مهما حاول التستر. وفي ذلك قال أحد الشعراء:

ومهـــــما يـــكن عند امـرئ من خليقة وإن خالها تـــــخـــفى عن الناس تعلم


هؤلاء أظهروا الحقيقة بوجه مخادع يخالف الحق وذلك بغية تحقيق أهداف خاصة ومصالح شخصية.

والنفاق هو أعلى درجات الكذب وأحقرها حيث يظهر المنافق غير ما يبطن فيلهج بلسان ذلق مخادع وقلبه يضمر العكس تماماً وهو ما سمي بذي الوجهين. من هنا سمي الرجل الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر منافقاً(37) فهو كذب عملي فعلي. ومن هذا النوع الذين يظهرون صداقتهم ويبطنون عداوتهم. وكل من يظهر بمظهر ينافي حقيقته هو منافق حقير مذموم، قلبه مريض. قال تعالى:

(﴿ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )(38).

القياس بالنفس

كل إنسان يقيس الآخرين على شاكلته، فإن كان سلوكه فاسداً فيقيس الآخرين على أساس مقاصده الفاسدة ونياته الملوثة وغير النزيهة. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عالم العلماء، وسيد البلغاء، وسيد الأدباء: (الرجل السوء لا يظن بأحد خيراً؛ لأنه لا يراه إلا بطبع نفسه)(39).

وهذا ما نلاحظه في مجتمعنا اليوم وما يمكن أن يحصل في كل يوم لأن الحقائق العلمية موضوعية ومستمرة في كل العصور. يقول علماء النفس: (حينما تمتلئ الدنيا بعواطفنا وميولنا وأفكارنا، فمن المقطوع به أننا ننظر إلى كل شيء منها بنظرتنا الشخصية، وكأن أحاسيسنا تظل على رؤوس الكائنات. ونلاحظ ذلك في الطبيعة:

فالعواصف تصيب باليأس والقنوط، والنسيم الغض الطري يكسبنا الرضا والسكون. وهكذا نحن البشر نرى الطبيعة الجغرافية والبشرية من خلال نوافذ عواطفنا وأحاسيسنا.

فحسب أحاسيسنا من الممكن أن نرى الهر حيواناً محبوباً لطيفاً أو حيواناً مؤذياً معادياً. كما يمكن أن نرى الأسد حيواناً مأنوساً أو نراه حيواناً مفترساً ضاراً مرهوباً. ذلك أن العواطف والأحاسيس تغير الدنيا التي نعيش فيها بصورة كلية. ومن هنا كان التفاؤل والتشاؤم من الموضوع نفسه عند بعض الناس.

وإذا ما سألنا بعض القضاة والحقوقيين يقولون: قلما يتفق أن يشهد الشهود لحادثة بسيطة ساذجة شاهدوها من قريب، بشهادة واحدة تماماً، فقد تختلف العبارات والصورة من شخص لآخر.

كما نلاحظ ذلك في الأمور التي لا تثير فينا العاطفة نشاهد جيداً كيف تختلف أفكارنا ونظراتنا، فكيف بالأحرى بالحوادث العاطفية.

ولا ريب أن ذلك يعود إلى العقل الذي منه الإتزان والصحة والرأي السليم. قال الإمام الكاظم (عليه السلام) في وصيته لهشام: (يا هشام إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره، ولا يغلب الحرام صبره. يا هشام من سلط ثلاثاً على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله: من أظلم نور تفكره بطور أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه.

هذا النمط من الناس ينقصهم ضعف في النفس وعدم الثقة بأنفهسم. والسبب في ذلك يعود إلى عدم الاتكال على الله، رب العالمين الذي تستمد منه وحده فهو صاحب القدرة الإلهية الأزلية.

إن المؤمن مع تمتعه بثقته بنفسه، ومع إفادته من كل الإمكانيات التي تحت تصرفه بصورة دقيقة وتامة، لا يحضر روحه بين العلل والعوامل المادية، ولا تتوقف إنسانيته على المادة، بل يرى طريق التعالي والتسامي إلى القمة مفتوحاً عليه، كما يرى عمله أبعد من حدود المادة، فهو يربط بين نشاطاته وفعالياته وأهداف الحياة العالية إن من يطمئن قلبه بالإيمان يكون اعتماده وثقته بالله تعالى الذي بيده سبحانه تدبير كل الأمور وحده لا شريك له. قال تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(40).

إن اللجوء إلى غير الله لا ينتج عنه سوى الذلة والحقارة، وأنى لمخلوق عاجز لا ملجأ له إلا الله بل هو فقير في كل شيء إليه ولا يملك من أمره شيئاً، فكيف له أن يمتلك أمر غيره؟

وهل بعد هذا أفضل وألطف من أن يعيش الإنسان في كنف لطف الله وحمايته؟ فهو مالك كل شيء وبيده تدبير جميع الأمور.

إن الخضوع إمام الله في السراء والضراء، والاعتقاد الحازم والراسخ بسيادة القدرة المطلقة الإلهية فوق جميع القدرات والعوامل المادية يترك في نفس المؤمن آثاراً عجيبة من الطمأنينة بحيث لا يفتقد قيمته أمام أي حادث، ولا يضطرب ولا يقلق لأي شيء كبيراً كان أم صغيراً. إن الاتكال على الله عزّ وجلّ لن يؤدي إلى الضعف والوهن، بل هو ثقة واعتماد يوثق قوة الإرادة، ويقطع جذور أي وسوسة أو تردد من القلوب. وهل يزكو عمل الإنسان وهو شاغل قلبه عن أمر ربه؟

قال الإمام الكاظم (عليه السلام) مخاطباً هشام:

(يا هشام كيف يزكو عند الله عملك وأنت قد شغلت قلبك عن أمر ربك، وأطعت هواك على غلبة عقلك، وقال لقمان (عليه السلام): (إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيها عالم كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان، وشراعها التوكل...).

إن الكفاح الدائم والمستمر للمؤمنين الإلهيين ضد عوامل التخريب والانحراف في المجتمع، والأفكار المنحطة فيه، كانوا يستعينون بالمدد اللامرئي لتنفيذ برامجهم الإصلاحية وإرشاد العباد إلى نهج الرشاد، وحيث كانت لأرواحهم ارتباط غير منقطع بقدرة الله الأزلية، فإنهم كانوا يتابعون أهدافهم حتى المرحلة النهائية بكل صراحة وموضوعية.

لكن الثقة بالنفس بدون الاتكال على الله لا يمكن أن تنفذ روح الإنسان في الأحوال الحرجة والمنهكة لقوى القلق والاضطراب، لأن الشدائد والعوامل المعاكسة في الحياة تهزم روح الخالي من الاعتماد على الله، والذي لا تتجاوز بصيرته عن حدود الماديات؛ وهو بهذه الحالة لا يتمكن من أن يخطو أية خطوة في مدارج الكمال حتى لو كانت سهلة واضحة وربما يعيقه ألم بسيط عن تحقيق هدف كبير، إن كيفية روحية المسلمين الأوائل في صدر الإسلام وبصورة خاصة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) تثبت لنا صحة ما نرمي إليه، إذ كانوا أفضل وأكمل نموذج للاعتماد على الله والتوكل عليه.

فالذين تربّوا في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) الإسلامية الأولى النشطة المعطاء، لم تسيطر عليهم حالة عدم الثقة أبداً، وذلك بسب إرادتهم القوية وإيمانهم الأصيل، وهذه الإرادة الثابتة المطمئنة هي التي فتحت لهم طريق النجاح والتقدم والانتصار على الباطل لقد سلكوا طريق الحق وقالوا كلمة الحق ونشروا رسالة الحق ولم تأخذهم في الله لومة لائم حتى أحدثوا ذلك المجتمع الإسلامي الوحيد الذي لم نر نظيراً له في التاريخ.

قال الإمام الكاظم (عليه السلام) بعد أن أمر أصحابه بقول الحق وإظهاره، والتجنب عن الباطل: (إتق الله، وقل الحق وإن كان فيه هلاكك فإن فيه نجاتك، أي فلان اتق الله ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك فإن فيه هلاكك).

على كل أحد أن يقيّم موقعه في الحياة، ويعرف أن ما اختاره من طريق هل هو إلى خير وسعادة أم إلى شقاء وتعاسة؟ وبالتعرف على الحاجات النفسية يستطيع أن يكافح ضد العوامل التي توجب اضطراب التوازن الروحي، وأن لا يدع تلك العوامل تجتمع وتتكاتف على ضرر الإنسان، فيقول الخير من أي موقع كان. قال الإمام الكاظم (عليه السلام) للفضل بن يونس:

(أبلغ خيراً وقل خيراً، ولا تكن إمّعة)(41).

المسؤولية الفردية

إن المسؤولية الفردية في الإسلام تشكل أساس التعاليم الإنسانية والتوصل إلى السعادة المعنوية في النظام الإسلامي يتوقف على عمل الشخص نفسه والتكاليف التي وضعها على عاتق الإنسان في جميع الشؤون الدينية والدنيوية يجب أن تؤدي بالعمل المباشر، وعلى هذا الأساس يترتب مبدأ الثواب والعقاب. والقرآن الكريم ينبه إلى:

(وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَ مَا سَعَى)(42) و(كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)(43).

وقال تعالى أيضاً: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(44).

وفي هذه الدنيا يستوفي الإنسان نتائج أعماله. جاء عن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) قال: (من عمل سوءاً يُجْزَ بِهِ في الدنيا)(45).

وقال (صلّى الله عليه وآله): (من يرزع خيراً يحصد رغبة، ومن يزرع شراً يحصد ندامة)(46).

وكتب الفيلسوف الأمريكي (امرسون) يقول: (إن العالم بمثابة جدول ضرب أو معادلة رياضية كيفما يعادلونها تعتدل وتتوازن ويكون جوابها واحداً دائماً، إننا أي طريقة نختارها لحل مسألة رياضية فإن إعداد النتائج ستكون واحدة لا محالة والطبيعة بسكوتها تفشي كل سر بطريقة متقنة، وتجازي كل جريمة، وتثبت على كل فضيلة. وكل عمل يستكمل نفسه من طريقين:

الأول: التفاعل في الطبيعة الواقعية لنفس الفعل والعمل.

والثاني: الطريقة العلنية الظاهرة. والكيفية العلنية هي التي تسمى الجزاء والعقاب. العقاب الذاتي يرى بالعين المجردة في الشيء نفسه، والعقاب الكيفي يرى ببصيرة الفهم.

هذه العقوبة الخاصة من الممكن أن تبدو بعد أعوام عديدة من وقوع الحادثة، ولكنها تستتبعها وتلازمها حتماً. إن الجريمة والجزاء أغصان شجرة واحدة، والجزاء ثمرة تنضح وتظهر فجأة من باطن زهرة اللذة التي سترتها وغطتها)(47).

لذلك وجدنا الإمام الكاظم (عليه السلام) يوصي عموم أصحابه بتنظيم أوقاتهم، والعمل على تهذيب نفوسهم وتحمل مسؤولياتهم فقال (عليه السلام):

اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات:

ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يعرّفونكم عيوبكم، ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات، ولا تحدثوا أنفسكم بفقر ولا بطول عمر، فإنه من حدّث نفسه بالفقر بخل ومن حدثها بطول العمر حرص.

اجعلوا لأنفسكم حظاً من الدنيا باعطائها ما تشتهي من الحلال وما لا يثلم المروءة، وما لا سرف فيه، واستعينوا بذلك على أمور الدين، فإنّه روي: (ليس منا من ترك دنياه لدينه، أو ترك دينه لدنياه)(48).

وقال (عليه السلام) في استغلال الوقت لصالح الفرد وحثه على تحمل المسؤولية في هذه الحياة الدنيا: (من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه أشرهما فهو ملعون، ومن لم يعرف الزيادة على نفسه فهو في النقصان، ومن كان إلى النقصان أكثر فالموت خير له من الحياة)(49).

عيوب النفس

إن لمختلف أنماط السلوك أثراً في الأشخاص لا يوصف إيجابياً أو سلبياً. ومن عيوب النفس الغرور: إن الغرور وحب التغلّب والارتفاع غالباً ما يمنع الإنسان من أن يدرك حدود نقائصه، ومن أن يقف على حدود قدراته وطاقاته.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (رضا العبد عن نفسه برهان سخافة عقله)(50).

وإن الأمر الذي يمنع من نمو استقلالية شخصيته، ويسبب في توقف نموه النفسي، وجموده، هو عدم اطلاعه على ما في وجوده من نقائص ممّا يجعل الإنسان لا يهتم أبداً بسد تلك النقائص وترميمها.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (الراخي عن نفسه مستور عنه عيبه، ولو عرف فضل غيره كفاه ما به من النقص والخسران)(51).

عن علي بن سويد، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن العجب الذي يفسد العمل، فقال: العجب درجات: منها أن يُزيّن للعبد سوء عمله فيراه حسناً فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعاً. ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمُنَّ على الله عزّ وجلّ ولله المنّة عليه(52).

وفي ذلك قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): (العجب يفسد العقل)(53).

ونجد كثيراً من أولئك الذين يتلفون طاقاتهم الروحية من دون أن يفيدوا منها في تحسين وضعهم الشخصي والاجتماعي، ومن دون أن يكون لهم أدنى اطلاع عن القوى المخبوءة والطاقات العجيبة في نفوسهم، اللّهم إلا أن تتفق أرضية مساعدة لهم على إبراز استعداداتهم المثمرة، وكم من قدرات مفيدة تذهب هدراً على أثر عدم اطلاع أصحابها عن كيفية ومستوى اقتدارها وحسن استثمارها.

جاء في غرر الحكم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: (من طلب عيباً وجده).

وقال الإمام الكاظم (عليه السلام): (يا هشام إن العاقل اللبيب من ترك ما لا طاقة له به، وأكثر الصواب في خلاف الهوى، ومن طال أمله ساء عمله).

وقال الإمام الكاظم (عليه السلام) أيضاً: (من تعظم في نفسه لعنته ملائكة السماء وملائكة الأرض، ومن تكبّر على إخوانه واستطال عليهم فقد ضاد الله ومن ادعى ما ليس له فهو أغنى لغير رشده).

أما الذين يصابون بالعقد والآلام النفسية، أو يعانون كابوس اليأس والقنوط، هم في الواقع أناس غير مطلعين على استعداداتهم وإمكاناتهم وطاقاتهم الكامنة فيهم، كي يسدوا عوزهم بالإفادة ممّا فيهم من قوى وطاقات، ويستبدلوا ما فيهم من نقص بالكمال، ولذا فمن الضروري لهؤلاء السعي الحثيث لاكتشاف أنفسهم. وقد أكّد العلماء على معرفة النفس ضمن الأمور التي ترتبط منها بالإنسان كذلك في العهد الحاضر يعد تعلم أصول معرفة النفس من أهم المواضيع في علم النفس الطبي، هذا والعصر الحاضر عصر الدراسات العميقة بشأن الطبيعة الإنسانية وعصر علم النفسي بالمعنى الفني والاختصاصي العام.

معرفة النفس

إن مشكلة معرفة النفس والجهل بحاجاتها الروحية حقيقة لا يمكن إنكارها، في حين أن الجهال منا يظنون أنهم يعرفونها أفضل من الجميع، وأنهم مطلعون على علل دوافعها وأفكارها وسلوكها. وبالتالي هم مطلعون على باطنهم تماماً.

ومشكلة معرفة النفس هي العلة لكثير من الأخطاء وسوء الفهم وإصدار الأحكام الظالمة، ممّا يستدل رؤية الإنسان لأساس هذه المشاكل في الجهل وذلك بالإمكانات وكميتها وكيفيتها، التي أودعتها يد الخلقة في وجود إنسان. ولا ننسى الدور الذي تؤديه الوراثة والتربية والمحيط الاجتماعي والبيئة في نظام الحياة النفسية، إضافة إلى سيطرة الأهواء والنقائص على الإنسان ولنا في الحكام العباسيين دليل واضح على ذلك وفي العصور القديمة كان الفلاسفة يؤكدون على معرفة النفس ضمن الأمور التي ترتبط بالإنسان، كما نلاحظ في وقتنا الحاضر أن تعلم أصول معرفة النفس يعد من أهم المواضيع في علم الطب النفسي. في هذا العصر ظهرت سلسلة من البحوث القيمة بشأن علم النفس بالمعنى الاختصاصي العام.

ولهذا فإن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ينبه الناس إلى أن يجتنبوا اتباع الهوى فيقول: (إياكم والهوى، فإن الهوى يعمي ويصم)(54).

وعن الإمام أبي جفعر (عليه السلام) قال: (لا يغرنك الناس من نفسك فإن الأمر يصل إليك دونهم، ولا تقطع نهارك بكذا وكذا فإن معك من يحفظ عليك عملك، وأحسن فإني لم أر شيئاً أحسن دركاً ولا أسرع طلباً من حسنة محدثة لذنب قديم)(55).

وروى الكليني أيضاً عن أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) قال: (لا تستكثروا كثير الخير ولا تستقلوا قليل الذنوب فإن قليل الذنوب يجتمع حتى يصير كثيراً، وخافوا الله في السر حتى تعطوا من أنفسكم النصف وسارعوا إلى طاعة الله وأصدقوا الحديث وأدوا الأمانة فإنما ذلك لكم ولا تدخلوا فيما لا يحل لكم، فإنما ذلك عليكم)(56).

وقال (عليه السلام) أيضاً: (ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم فإن عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيئاً استغفر الله منه وتاب إليه)(57).

الحب الخالص والود الخالد

وهل أروع وأعظم من هذا الرباط الوثيق الذي يجعل المسلمين كالبنيان المرصوص! قال تعالى في كتابه العزيز: (﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )(58) وقد عرض سبحانه لدفع البشر إلى هذه المحبة الصافية النزيهة بواعث وأشواقاً، ولذلك أوجد في ضمير الإنسان حباً للذات متوازناً ومتناغماً، ويبلغ في تعاليمه إلى قاعدة ينطلق في ظلها من قيود الغرور وعبادة الذات بحيث لا يظهر فيه اتجاه مفرط في حبه لذاته. وهذا على عكس ما وجدنا عند هارون والمنصور والهادي... إن الكبرياء يختص بذات الله وحده لا شريك له، الله الذي لا يتطرق إليه الفقر والحاجة، بل تحتاج إليه جميع الموجودات من جميع الجهات:

قال تعالى: (﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ )(59).

والإصابة بالغرور وحب الظهور والتعالي على الناس هو انحراف أكيد عن البرامج الإلهية. والقرآن الكريم يلفت نظر المغرور إلى عجزه واحتقاره وبذلك يهبط بروح القوة عنده من قمة الخيالات الواهبة إلى حضيض الهاوية فيقول تعالى:(﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً )(60) إن من لا ينصرف عن النظر إلى المبدأ الأعلى للوجود لا تسيطر عليه في مواقف الرفاهية والنعمة حالة الغرور بل يبقى على ما هو عليه، إذ أن الإسلام يدعو إلى التواضع والاعتدال، ولا يجب الكبر والاستعلاء لذلك دعا الله جل وعلا رسوله الكريم ليتواضع ويلين جانبه مع الناس قال تعالى: (﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ )(61).

وقال (صلّى الله عليه وآله): (إن العفو لا يزيد العبد إلا عزاً، فاعفوا يعزكم الله وإن المتواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله، وإن الصدقة لا تزيد المال إلا إنماءً، فتصدقوا يزدكم الله).

وقال الإمام الكاظم (عليه السلام): (إياك والكبر فإنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر، الكبر رداء الله فمن نازعه رداءه أكبه الله في النار على وجهه).

وسبب وجود الغرور والقيم الكاذبة المسيطرة على الروح والمدركات هو عدم وجود القيم الإلهية في القلوب المؤمنة. ذلك أن المؤمن يتجنب كل خضوع مذل تنزل به شخصيته في مجتمعه، لأنه أمام ذات الكبرياء المقدسة التي تعطيه الدفع الكبير والقوة الهائلة في سائر حالاته. والله تعالى يوصي أهل الإيمان بهذه المزية الإيمانية الخاصة في جميع المواقع وكل المراحل. قال تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(62).

والإمام الكاظم (عليه السلام) قال: (إن قلوب المؤمنين مطوية).

روى الكليني عن علي بن جعفر عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: (إن الله خلق قلوب المؤمنين مطوية مبهمة على الإيمان فإذا أراد استنارة ما فيها نضحها بالحكمة، وزرعها بالعلم، وزارعها والقيم عليها رب العالمين)(63).

وهكذا قال قلب الإمام الكاظم (عليه السلام) مزروعاً بالحكمة والعلم والقيم من رب العالمين.
(27) سورة الإسراء: الآية 14.
(28) سورة الكهف: الآية 49.
(29) سورة المعارج: الآية 4.
(30) راجع الأخلاق لشبر، ص285-286 وحياة الإمام موسى بن جعفر للقرشي، ج1، ص(248.
(31) سورة النساء: الآية 1.
(32) سورة العلق: الآية 14.
(33) سورة الطلاق: الآية 1.
(34) سورة البينة: الآية 5.
(35) سورة النساء: الآية 38.
(36) رسالة الأخلاق عن غرر الحكم، ص106.
(37) وقد اشتقته العرب من النافقاء وهو إحدى حجرة اليربوع يخفيه ويظهر غيرها ليلجأ إليها عند الحاجة.
(38) سورة الأنفال: الآية 49.
(39) عن غرر الحكم، ص104.
(40) سورة فاطر: الآية 2.
(41) الإمَّعة: قيل أصله إني معك ليس له رأي مستقل.
(42) سورة النجم: الآية 39.
(43) سورة المدثر: الآية 37.
(44) سورة النحل: الآية 97.
(45) عن نهج الفصاحة، ص592.
(46) نفسه، ص622.
(47) رسالة الأخلاق، ص347.
(48) تحف العقول، ص409.
(49) الإتحاف بحب الأشراف، ص55.
(50) غرر الحكم، ص424.
(51) غرر الحكم، ص95.
(52) الكافي ج2، ص313.
(53) غرر الحكم، ص26.
(54) عن نهج الفصاحة، ص201.
(55) الكافي ص453-454.
(56) الكافي، ص453-454.
(57) الكافي، ص453-454.
(58) سورة الحجرات: الآية 10.
(59) سورة فاطر: الآية 15.
(60) سورة الإسراء: الآية 37.
(61) سورة آل عمران: الآية 159.
(62) سورة آل عمران: الآية 139.
(63) الكافي، ج2، ص421.

شبكة أنصار الحسين  

 

وصلة المصدر : http://www.ansarh.com/maaref_detail.php?id=1682
تاريخ ووقت الطباعة : Mon, 13-07-2020 19:56:32

موسوعة أنصار الحسين عليه السلام