العنوان : الإمام الكاظم مع المنصور

 

التنكيل بالعلويين مع المنصور:

أصاب العلويون ألواناً من شتى المحن في العهدين الأموي والعباسي ومحنتهم في عهد المنصور كانت من أقسى المحن وأفجعها، فقد أذاقهم جميع أنواع العنف والجور والعذاب، فحاو عدة مرات إبادة شبابهم وشيوخهم، وكان ما حل بهم من التنكيل مع الحكام العباسيين وخاصة المنصور، أضعاف ما واجهوه أيام الحكم الأموي حتى قيل في ذلك:

يــــا لــــــيت جـــــور بني أمية دام لنا وليــــــت عــــدل بني العباس في النار


لقد واجهوا عنف الخطوب وأقسى الرزايا من أجل تحرير المجتمع الإسلامي وإنقاذه من الجور والظلم والاستبداد.

لم يضعفوا أمام هذا الطاغية وأمام غيره من الحكام الظالمين، بل اندفعوا بكل فخر واعتزاز إلى ساحات الجهاد، وناضلوا في سبيل إعلاء كلمة الله حتى استشهدوا أحراراً كراماً مشجعين الأحرار والمناضلين في عصرهم وفي كل عصر على متابعة طريق النضال، فاتحين لهم أبواب الكفاح، راسمين لهم طريق الخلاص من حكم الذل والعبودية.

وسوف نذكر حادثة أليمة من حوادث جسام كثيرة فعلها المنصور مع العلويين. لقد زجهم في سجن مظلم لا يعرف فيه الليل من النهار، حتى باتوا لا يعرفون وقت الصلاة فجزأوا القرآن الكريم خمسة أجزاء فكانوا يصلون الصلاة على فراغ كل واحد منهم لجزئه(55) أمر الطاغية بإحضار محمد بن إبراهيم وكان أية في بهاء وجهه وجماله ولما حضر عند المنصور التفت إليه بسخرية قائلاً:

أنت المسمى بالديباج الأصفر؟ فقال: نعم.

أما والله لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحداً من أهل بيتك.

ثم أمر باسطوانة مبنية ففرغت، وأدخل فيها، فبنيت عليه وهو حي(56) وبقي العلويون في سجن المنصور وهم يعانون أهوالاً من الخطوب والمصائب، حتى مرضوا ومات أكثرهم، ثم أمر الطاغية بهدم السجن على من بقي منهم، فهدم عليهم، ومات أكثرهم وفيهم عبد الله بن الحسن(57).

حفلت هذه المأساة الغريبة والعجيبة بأنواع الرزايا والخطوب، فقد انتهكت فيها حرمة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) في ذريته وأبنائه، ولم يراقب المنصور الله فيهم ولم يرع أي حرمة لهم.

لقد وهبت تلك النفوس الزكية أرواحها لله لتنقذ من شر تلك الطغمة الحاكمة عباد الله، حكام ظالمون همهم الدنيا والسلطان والجاه والمال، وفي سبيل ذلك كفروا بجميع القيم الإنسانية، وتنكّروا لجميع المبادئ الإسلامية.

هذه المأساة الكبرى أثارت موجات من السخط على بني العباس فتجمهر الأحرار حول أهل البيت متمسكين بعد لهم ومبادئهم بغية إنقاذهم من هذا الوضع المتردي الأليم. وقد اندفع الشعراء بعد أحقاب من السنين المريرة بهجاء الحكام العباسيين على جرائمهم النكراء وخاصة الجريمة الأخيرة التي ذهب ضحيتها عبد الله بن الحسن.

من هؤلاء الشعراء نذكر أبا فراس الحمداني الشاعر العربي الأصيل، استنكر الجريمة النكراء واندفع قائلاً في قصيدة طويلة بلغت ما يقارب الستين بيتاً نذكر منها:

الـــــدين مخــــــترم، والحــق مهتضم؛ وفـــــيء آل رســــــول الله مقــــــتسم

يــــا لــــلرجـــــال! أمــــا لله مــنتصف مــــــن الطــــــغاة؟ أمـا للدين منتقم؟!

بــــنو عــــليّ رعــــايا فـــــي ديـارهم والأمـــــر تــــملكه النـسوان والخدم!

للمتقـــــين، مـــــن الـــدنـــيا، عواقبها وإن تـــــعجل منـــــها الـــظالم الأثــــم

لا يطـــــغينّ بــــــني العـــباس ملكهم! بـــــنو عـــــلي مـــواليهم وإن زعـموا

أتــــــفخـــــرون عــــــليهم؟ لا أبـــالكم حـــــتى كــــــأنّ رســـــول الله جـــدكم

ومـــــا تـــــوازن، يــــوماً بينكم شرف ولا تـــــساوت بـــكم، فـي موطن، قدم

ولا لـــــكم مثــــلهم، في المجد، متصل ولا لجـــــدكم مــــــسعاة جــــــدهــــــم

ولا لعــــرقكم مــــــن عـــــرقــهم شبه ولا نـــفـــــيلـــــتكم من أمــــــهم أمـــم

قـــــام النـــــبي بـها، يـوم الغدير، لهم والله يــــــشــهد، والأمـــــلاك والأمـــم

حتـــــى إذا أصبـحت في غير موضعها لكـــــنهم ســــتروا وجـــه الذي علموا

ثـــــم ادعاها بــــــنو العـــــباس إرثهم وما لـــــهم قـَــــدَم، فــــيها، ولا قِـــدَم

بئـــــس الجزاء جزيتم فـــي بني حسن أبـــــوهم العـــــــلم الهــــادي وأمـــهم

لا بـــــيعة ردعـــــــتكم عــــن دمــائهم ولا يمــــــين، ولا قـــــربى، ولا ذمــم

هــــلا صفحتم عــــن الأسرى بلا سبب للصـــــافحيـــن بـــــبدر عـن أسيركم؟

هـــلا كفــــفتم عــن الديـــــباج السنكم وعــــــن بــــــنات رسـول الله شتمكم؟

مــــا نـــــزهت لـــــرسول الله مهــجته عن الســــــياط! فـــــهلا نــزّه الحرم؟

مـــا نــال منهم بنو حرب، وإن عظمت تــــــلك الجــــــرائر، إلا دون نيـــــلكم

كــــم غــــــدرة لكم في الدين واضحة! وكــــــم دم لــــــرسول الله عـــــندكم!

أأنتــــــم آله فــــيما تـــــرون، وفـــــي أظــــــفاركم، مـــن بنيه الطاهرين دم؟

هيــــــهات لا قــــربت قــربى ولا رحم يومـــــاً، إذا أقـــصت الأخلاق والشيم!

كـــــانت مـــــــودة ســـــلمان لـه رحم ولـــم يكـن بين نوح وابنه رحم!(58)

ليـــس الرشيد كموسى في القياس ولا مأمـــونكم كـــالرضا إن أنـصف الحكم

الركــــن والبـــــيت والأســـتار منزلهم وزمـــــزم، والصــفا، والحجر والحرم

صـــــلى الإله علــــــيهم، أيـنما ذكروا لأنــــــهم للـــورى كهــــــف، ومعتصم



يبدو واضحاً من هذا الشعر الأسى العميق على ما أصاب العلويين من النكبات والرزايا في عهد المنصور وسائر ملوك بني العباس الذين تنكروا للاحسان الذي أسداه إليهم الرسول الأعظم وعلى جدهم العباس فقد قابلوا الإحسان بالاساءة، والعفو بالعقاب المرير لذرية النبي الشريفة، وعترته الطاهرة.


مصادرة أموال العلويين

لما اعتقل المنصور العلويين، وأودعهم في السجون المظلمة، عهد إلى عامله بمصادرة جميع أموالهم وبيع رقيقهم(59).

كما صادر اموال الإمام الصادق (عليه السلام)، ولما هلك المنصور يروى أن المهدي أرجعها إلى ابنه الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).


وضعهم في الاسطوانات(60)

بدأ المنصور يفتش على من بقي من العلويين فمن ظفر به جعله في الاسطوانات المجوفة المبنية من الجص والآجر، حتى ظفر بغلام من ولد الحسن وكان حسن الوجه فسلمه إلى البناء وأمره أن يجعله في جوف اسطوانة ويبني عليه، فدخلت البناء رقة على هذا الولد الوسيم فترك له في الاسطوانة منفذاً يدخل منها الهواء، وقال للغلام: لا بأس عليك فاصبر فإني سأخرجك من جوف هذه الاسطوانة عندما يرخى الليل سدوله.

ولما جن الليل جاء البناء فأخرج العلوي المظلوم، وقال له: اتق الله في دمي ودم العملة الذين معي، وغيّب شخصك، فإني إنما أخرجتك في ظلمة هذه الليلة لأني خفت أن يكون جدك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم القيامة خصمي بين يدي الله، وأكد عليه بأن يواري نفسه فطلب منه الغلام أن يخبر أمه لتطيب نفسها، ويقل جزعها، فهرب الغلام ولا يدري بأي أرض أقام، وجاء البناء إلى دار أم الغلام ليعلمها بخلاص ابنها من قبضة ذلك الطاغية فسمع دوياً كدوي النحل قبل أن يدخل من البكاء فعرف أنها أمه فأسرها بخبر ولدها، وانصرف عنها(61).


هلاك المنصور

عهد المنصور بأمره إلى ولده المهدي، ونصبه ملكاً من بعده وأوصاه بهذه الوصية: (إني تركت بعض المسيئين من الناس على ثلاثة أصناف، فقيراً لا يرجو إلا غناك، وخائفاً لا يرجو إلا أمنك، ومسجوناً لا يرجو الفرج إلا منك، فإذا وليت فأذقهم طعم الرفاهية، لا تمدد لهم كل المد.. وقد جمعت لك من الأموال ما لم يجمعه خليفة قبلي، وبنيت لك مدينة لم يكن في الإسلام مثلها..)(62).

هلك الطاغية الجبار الذي أذاق جميع الناس صنوف الظلم والجور والفقر سنة (158هـ) وانطوت بذلك صفحة سوداء من حياة الأمة الإسلامية مملوؤة بالاثم والموبقات وكان عمر الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) آنذاك ثلاثين سنة، مضى خلالها زهرة شبابه في عهد هذا الطاغية مكلوم القلب، حزين النفس، كاظم الغيظ حزناً على المسلمين عامة، وعلى ما لاقاه العلويون خاصة من التنكيل البشع، والعذاب الأليم. وسوف نرى صفحة أخرى مع ولده المهدي.
(55) مروج الذهب، ج3، ص225.
(56) الطبري، ج9، ص398.
(57) مروج الذهب، ج3، ص225.
(58) الديوان، ص128 والغدير، ج3، ص238.
(59) البداية والنهاية، ج10، ص81.
(60) بحار الأنوار، ج47، ص306-307.
(61) عيون أخبار الرضا، ج1، ص111.
(62) تاريخ اليعقوبي، ج3، ص349.

شبكة أنصار الحسين  

 

وصلة المصدر : http://www.ansarh.com/maaref_detail.php?id=1642
تاريخ ووقت الطباعة : Mon, 03-08-2020 07:21:31

موسوعة أنصار الحسين عليه السلام