وفيما يلي أدرج مداخلة أحد فضلاء زملائنا السنة في موقع المجلس اليمني، حيث أحسن في إثبات أن التجسيم والتشبيه والقول بالجهة والتحيز، ليست إلا من الأقوال الكفرية في نظر علماء أهل السنة، ما عدا الوهابية.. وأنا أنقل كلامه ملخصاً:
أولاً: علماء الحنفية يكفرون المجسمة والمشبهة والقائلين بالجهة:
*في تبيين الحقائق للزيلعي 1/135 : (والمشبه إذا قال له تعالى يد ورجل كما للعباد، فهو كافر ملعون . وإن قال: جسم لا كالأجسام فهو مبتدع ; لأنه ليس فيه إلا إطلاق لفظ الجسم عليه، وهو موهم للنقص، فرفعه بقوله لا كالأجسام، فلم يبق إلا مجرد الإطلاق، وذلك معصية تنتهض سبباً للعقاب؛ لما قلنا من الإيهام، بخلاف ما لو قاله على التشبيه، فإنه كافر، وقيل يكفر بمجرد الإطلاق، أيضا وهو حسن بل أولى بالتكفير...
بخلاف مطلق اسم الجسم مع نفي التشبيه، فإنه يكفر لاختياره إطلاق ما هو موهم النقص بعد علمه بذلك . ولو نفى التشبيه فلم يبق منه إلا التساهل والاستخفاف بذلك) اهـ
وانظر نحو ذلك أيضا في فتح القدير 1/350 وكنز الدقائق 1/370 .
وقال الخادمي ( ت 1168) في بريقة محمودية 1/95 : (والبدعة في الاعتقاد هي المتبادرة من إطلاق البدعة و المبتدع والهوى وأهل الأهواء فبعضها كفر) .. والكفر كاعتقاد الجسمية كسائر الأجسام والتفصيل فيما سيذكره المصنف ...
( وبعضها ليست به ) أي بكفر كإنكار سؤال القبر واعتقاد أنه جسم لا كالأجسام
( ولكنها أكبر من كل كبيرة في العمل ) .. ( وليس فوقها ) أي البدعة في الاعتقاد ( إلا الكفر ) اه
ولكن ما هو المراد بقولهم جسم لا كالأجسام؟
المراد أن القائل يطلق على الله لفظ الجسم دون حقيقته ولوازمه فهو عنده بمعنى الموجود والقائم بنفسه ولا يريد ما يمكن فرض الأبعاد فيه فيكون الخلاف معه حينئذ في إطلاق اللفظ
أما إذا قال إن الله جسم بمعنى أنه يمكن فرض الأبعاد فيه وأن له مقدار وحدا ونهاية وجرم وكثافة فهذا داخل في قولهم ( جسم كالأجسام ) وإن قال صاحبه لا كالأجسام فهو لذر الرماد على العيون فهو في الحقيقة جعله كالأجسام
يبين هذا الخادمي في بريقة محمودية 1/225 بقوله : ( وفيها ( أي التترخانية ) ( إن ) ( اعتقد أن لله تعالى رجلا ) ( وهي الجارحة ) المستلزمة للجسمية قيد بهذا الاعتقاد, إذ ورد في الحديث الصحيح إطلاق القدم عليه تعالى وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : { تطلب النار الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه } فقيل للتعظيم وقيل وقيل .
( يكفر وفيها ومن ) ( قال بأن الله تعالى جسم لا كالأجسام) التي تتركب من الأجزاء وكان لها طول وعرض وعمق (فهو مبتدع) لعدم ورود الشرع ولإيهامه الجسم المنفي (وليس بكافر) ; لأنه حينئذ يكون بمعنى الذات أو النفس أو الشيء وإطلاقها عليه تعالى جائز وهذا إنما لا يكون كفرا إذا لم يثبت شيء من خواص الجسم كالحيز, والجهة إلى أن لا يبقى إلا اسم الجسم وإلا فكفر أيضا ) اه
وقال أيضا في بريقة محمودية 1/228 : ( وفيها ) ( رجل وصف الله تعالى بالفوق أو بالتحت ) ( فهذا تشبيه ) أي بالأجسام فتجسيم ( وكفر ) لعله إن كان مراده من الفوق هو العلو , والرفعة , والقهر , والغلبة فلا يكفر بل ينبغي إجراء التفصيل السابق من إرادة حكاية ما في الأخبار كقوله تعالى { يد الله فوق أيديهم } { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } ) اه
وفي حاشية ابن عابدين 1/562: (قوله كقوله جسم كالأجسام) وكذا لو لم يقل كالأجسام, وأما لو قال لا كالأجسام فلا يكفر لأنه ليس فيه إلا إطلاق لفظ الجسم الموهم للنقص فرفعه بقوله لا كالأجسام , فلم يبق إلا مجرد الإطلاق وذلك معصية ) اه
وفي التقرير والتحبير (لابن أمير الحاج حنفي ) 3/319 ولا تقبل شهادة المجسمة ; لأنهم كفرة ويوافقه ما في المواقف وقد كفر المجسمة مخالفوهم
قال الشارحون من أصحابنا والمعتزلة وقال شيخنا المصنف رحمه الله في المسايرة , وهو أظهر , فإن إطلاق الجسم مختارا بعد علمه بما فيه من اقتضاء النقص استخفاف)
وقال الملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر ص271 : (من اعتقد أن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها فهو كافر وإن عُدّ قائله من أهل البدعة، وكذا من قال: بأنه سبحانه جسم وله مكان ويمرّ عليه زمان ونحو ذلك كافر، حيث لم تثبت له حقيقة الإيمان ) اهـ
ثانياً: علماء المالكية يكفرون المجسمة والمشبهة والقائلين بالجهة:
لا يختلف حكم التجسيم والمجسمة عند المالكية عنه عند الحنفية فلهم نفس التفصيل في من قال إن الله جسم:
- فمن قال هو جسم كالأجسام أو أطلق فقال جسم فقد وقع في بدعة مكفرة.
- ومن قال إن الله جسم لا كالأجسام، فقد وقع في بدعة مفسقة غير مكفرة: وقيل: مكفرة.
وهذه بعض نصوص المالكية في الحكم على التجسيم والمجسمة :
في أحكام القران لابن العربي 2/475 : (فإذا أنكر أحد الرسل أو كذبهم فيما يخبرون عنه من التحليل والتحريم , والأوامر والندب , فهو كافر
وكل جملة من هذه الوجوه الثلاثة له تفصيل تدل عليه هذه الجملة التي أشرنا بها اختلف الناس في التكفير بذلك التفصيل , والتفسيق والتخطئة والتصويب ; وذلك كالقول في التشبيه والتجسيم والجهة , أو الخوض في إنكار العلم والقدرة , والإرادة والكلام والحياة , فهذه الأصول يكفر جاحدها بلا إشكال ) اهـ
وفي الفواكه الدواني 1/94 : (وقع نزاع في تكفير المجسم قال ابن عرفة : الأقرب كفره , واختيار العز عدم كفره لعسر فهم العوام برهان نفي الجسمية ) اهـ
وفي شرح الخرشي على خليل 8/62 (مثال اللفظ المقتضي للكفر أن يجحد ما علم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة , ولو جزءا منها , وكذا إذا قال : الله جسم متحيز ) اه
وفي حاشية العدوي على على شرح الخرشي : (قوله : وكذا إذا قال : الله جسم متحيز ) أي : آخذ قدرا من الفراغ , والمراد أنه قال : جسم كالأجسام هذا هو الذي يكفر قائله, أو معتقده, وأما من قال: جسم لا كالأجسام فهو مبتدع على الصحيح) اهـ
وفي حاشية العدوي على كفاية الطالب 1/102 : (فالذنب المخل بالإيمان يكفر به ; لأنه حينئذ ليس بمسلم أي كرمي مصحف بقذر وكمن يعتقد أن الله جسم كالأجسام, وأما من يعتقد أنه جسم لا كالأجسام فلا يكفر إلا أنه عاص; لأن المولى سبحانه وتعالى ليس بجسم ) اهـ
وفي حاشية الصاوى على الشرح الصغير 4/432 قوله : [ أي يقتضي الكفر ] : أي يدل عليه دلالة التزامية كقوله جسم متحيز أو كالأجسام, وأما لو قال: جسم لا كالأجسام فهو فاسق , وفي كفره قولان رجح عدم كفره ) اهـ
و في منح الجليل شرح مختصر خليل 9/206 : قال الشيخ محمد بن أحمد عليش المالكي ( ت 1299) عند ذِكر ما يوقع في الكفر والعياذ بالله ما نصه :
(باب الردة كفر المسلم بقول صريح أو بلفظ يقتضيه) أي يستلزم اللفظ الكفر استلزاما بينا كجحد مشروعية شيء مجمع عليه معلوم من الدين ضرورة , فإنه يستلزم تكذيب القرآن أو الرسول , وكاعتقاد جسمية الله وتحيزه, فإنه يستلزم حدوثه واحتياجه لمحدث ونفي صفات الألوهية عنه جل جلاله وعظم شأنه ) اهـ
وقال محمد بن علي بن حسين مفتي المالكية في مكة ( 1367هـ) في تهذيبه للفروق المسمى (تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية ) 4 /266 :
( والقسم الثاني ) ما ورد نظيره في كتاب أو سنة صحيحة وإلى مثاله وحكمه أشار العلامة الأمير في حاشيته على شرح الشيخ عبد السلام على جوهرة التوحيد بقوله واعلم أن من قال جسم [ لا ]كالأجسام فاسق ولا يعول على استظهار بعض أشياخنا كفره كيف وقد صح وجه لا كالوجوه ويد لا كالأيدي نعم لم ترد عبارة جسم فليتأمل
اهـ بلفظها
قلت [ القائل هو المالكي ] : ومن هذا القسم قول القائل إنه تعالى في مكان ليس كمكان الحوادث لأنه قد صح استواء على العرش لا كالاستواء على السرير نعم لم ترد عبارة مكان ) اهـ
------------------------
انتهى ما استفدنا من مقال زميلنا السني في المجلس اليمني.
فثبت أن الوهابية جميعهم كفار عند السادة الحنفية والمالكية؛ لأن الوهابية يعتقدون بأن الله فوق العرش بذاته، ويعتقدون أن الله في الجهة العليا، وهم يقصدون الفوقية الحسية؛ بدليل سياقات كلامهم، ومنها: استدلالهم برفع اليد للدعاء..!
والحمد لله رب العالمين.